الشيخ علي عبداللطيف الجسار

ولد عام 1922م في المرقاب في أسرة كريمة حافلة بمشايخ الدين، ويعود انتماؤها الى الروقة من عشيرة الأساعدة من قبيلة عتيبة، وتلتقي هذه العائلة الكريمة في جدها الحادي عشر أسعد مع عائلة ية أخرى منها الشايع والحمد والبداح والجارالله (الخرافي) والعساكر والمجحم والفضل والعمر والذكير والراشد والطاحوس والحسن والملحم.
تلقى تعليمه الأول في الكتاب وخرج من التعليم النظامي بعد دراسة الابتدائية لثلاث سنوات في المدرستين المباركية والأحمدية لمقارعة خطوب الزمن التي ألجأته الى ألا يكمل الدراسة النظامية فيلج ميدان العمل لينفق على نفسه وأسرته، فلبس الخشن في الشتاء وكابد حرارة الصيف في عصامية تحلى بها رجالات ال عند نشأتهم حتى كون نفسه واسمه، وحاز ثقة المسؤولين فكلفوه بالعمل مختارا في منطقة النقرة ورئاسة لجنة المناقصات المركزية، والى جانب ذلك تم تكليفه بعضوية لجنة رقابة الكتب لفترة طويلة، كما كان حضوره الاعلامي شاملا وسائل الإعلام الثلاث: المقروءة والمسموعة والمرئية، بث من خلالها مواعظه وتوجيهاته.


التحيز لل
حيث كانت ال حزبه السياسي وانتماءه العرقي، وطائفته المذهبية، فكان يحب في ال ويبغض، ويعادي فيها ويصادق، وكان يفرق بتصنيفه الطريف الذي لا أفتأ استخدمه في المواضع نفسها حين يصنف اليين بين ي 'بودي' أو ي 'مكينة' أو ي 'بودي ومكينة' في اشارة الى الانتماءات الخارجية المختلفة التي يراها مع الأسف تنخر في كيان المجتمع الي.
التميز المبكر
يشهد أهل المرقاب انه كان قبل بلوغ الثامنة عشرة من عمره وبعد فتوته مباشرة لا يمشي إلا ومعه كتابه الذي يقرأ فيه، ويحدث أهل محلته بعد الصلاة في مسجد المطران (مسجد العتيقي) وقد اشتهر باسم مسجد المطران لتواجدهم فيه وحوله، حتى انه كان اذا غاب الخطيب تصدر للخطابة دون تحضير مسبق رغم صغر سنه.
الاهتمام بالأدب
كان حديثه لا يخلو في أي مسألة من الاستشهاد بالشعر العربي الفصيح القوي الموزون، فان كان ولابد من استخدام الشعر الشعبي فهو، كذلك، حافظ لأقوى ما نظمه فحل شعراء ال في زمانه الشاعر الملهم زيد الحرب.
وزيد الحرب هو من هو في الشعر الي الجزل الذي يغطي حاجة مجتمعه، فلا يتكلم كلمتين الا وثالثتهما أبيات شعر يستشهد بها في صحة هاتين الكلمتين.
ومن ألطف ما حفظته عنه استشهاده ببيت شعر عظيم المعنى متكرر الحدوث:
ملأى السنابل تنحني بتواضع
والفارغات رؤوسهن شوامخ
وكم في هذا البيت من عبرة وعظة وحكمة!
وتساعده في ذلك ملكة حفظ وسرعة بداهة.
كان يسافر، رحمه الله، في الاربعينات الى العراق برفقة صديقه المرحوم داود الجراح ليستورد منه الساعات، بينما يستورد الجراح الأحذية، ولكنهما كانا ينتهزان الفرصة لزيارة الأدباء وأبرزهم معروف الرصافي، ليستفيدا في المجال الادبي، فضلا عن التجاري، وقد التقيا به ثلاث مرات.
قوة الشخصية
لا تجد المرحوم الشيخ علي الجسار في مجلس إلا واستحوذ على اهتمام جلسائه، وفرض شخصيته من خلال النقاش. وكان لهذه الشخصية القوية أكبر الأثر في تربية أولاده وبناته وجمعهم حوله بكل اهتمام حتى آخر أيام حياته.
وقد كان يلزمهم بما ألزم نفسه من اجراءات صحية معتادة أيام صغرهم في الاربعينات والخمسينات حتى اعتادوا نظافة البدن والثوب مظهرا معتادا.


وكان، رحمه الله، منذ بدايات حياته العملية لا يكتسب رزقا صغيرا كان أو كبيرا الا واحتجز منه أوله ليشتري به الطيب الذي يدخل به المسجد والديوان والعمل والبيت برائحة زكية.


ومن مظاهر قوة شخصيته الممتزجة بذكائه انه تعامل بلباقة وذكاء حين اعتزم ابنه البكر احمد ان يدرس في دار المعلمين بعد المتوسطة لا لشيء سوى ان يصاحب زملاءه في المدرسة والحي الذين لم يسمح معدلهم الدراسي أو رغباتهم باستكمال دراسة المرحلة الثانوية، فما كان منه الا ان اظهر له القبول في البداية وامتدح له سلك التدريس ثم اصطحبه معه ليزورا وكيل وزارة التربية آنذاك المربي الفاضل الاستاذ فيصل الصالح عام 1965 الذي احسن استقباله وشجعه ثم ما لبث ان فاتحه ـ بايعاز من والده طبعا ـ بأن يسلك سلك التعليم لكن بعد الدراسة الثانوية، ففهم احمد الموقف وقبل الاقتراح واحترم رغبة والده الذي احترم رغبته، ولكنه نصحه بالحسنى ومن خلال أهل الاختصاص، فكان هذا التحول منعطفا في الحياة الدراسية ومن ثم الحياة الوظيفية لابنه الدكتور احمد الذي غدا استاذا جامعيا في جامعة ال، ثم وزيرا للتخطيط فضلا عن مهام ومناصب كثيرة.
وقس على ذلك ـ عزيزي القارئ ـ بقية ابنائه الذين شملت اختصاصاتهم الطبيب والمهندس والعقيد والقيادي في مجال عمله.
كان هذا حديثا عاما لانطباعي عن المرحوم الشيخ علي الجسار.
اما نصيبي الشخصي فقد كان دائم التشجيع لما يسمع لي من برامج اذاعية توثيقية ولما يقرأ لي من اصدارات توثيقية، دائم التواصل والنقاش والاتصال الهاتفي رغم انه كان هو الأكبر سنا ومقاما، ومقابل ذلك كنت ارى ان زيارة ديوانه العامر مساء السبت والأحد من كل اسبوع هي الأجدر بأن تكون شكلا للتواصل.
ومن طريف ما أذكره عن المرحوم انه اتصل يوما فرفعت السماعة زوجتي أم عبدالله فاشتكى لها انني السبب في أنه لم ينم الظهر في ذلك اليوم، فلما عدت من العمل وأجبته مشفقا عليه فإذا هو اسلوبه المعتاد في التشجيع والثناء، فقد كان يقصد انه لم يقبل ان ينام دون ان يتصل بي شاكرا لما سمعه في حلقة اليوم من برنامجي الاذاعي الذي اختار له الأخ الكريم سعد جعفر مدير القناة الأولى في حينها لأن يبث في ساعة الذروة في اذاعة ال وهي الواحدة الا ثلثا أي قبل أخبار الواحدة ظهرا بثلث ساعة، وقد تبين لي انه يتابع البرنامج منذ بدايته يوميا.
رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

عوده لرجال ال