::أحمد الجابر وسلمان آل خليفة ( يعقوب الغنيم )::

 

هذان رجلان لا يخفيان على أحد من أهل ال والبحرين، فالأول هو الشيخ أحمد الجابر الصباح، والثاني هو الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، في سنة 1949م كان الأول حاكما لل، وكان الثاني حاكما للبحرين، وكانت بينهما صلة هي مضرب الأمثال لقوتها واستمرارها.

ولد الشيخ أحمد الجابر في سنة 1885م، وهي السنة التي كان يحكم ال فيها الشيخ عبدالله الثاني بن صباح (1892-1866م). وتعلم في كتاتيب ال القراءة والكتابة والحساب، وقرأ القرآن الكريم، ونشأ نشأة كريمة في ظل بيت يحرص على تربية أبنائه التربية الحسنة، وتولى الحكم في سنة 1921م، واستمر فيه إلى أن توفي في مطلع سنة 1950م.


كان الشيخ أحمد الجابر الصباح رجلا متواضعا صبورا على الشدائد، تعرضت البلاد في عهده لمشكلات جَمَّة، ولكنه تصدى لها بما عرف من حنكة، ودراية بطرق تسيير الأمور.

وكانت له علاقات طيبة مع دول الخليج وبخاصة المملكة العربية السعودية والبحرين وعمان، وما نقدمه هنا نموذج يمثل هذه العلاقات، وقد تقدمت ال في عهد الشيخ أحمد الجابر الصباح تقدما واضحا، وهناك مظاهر كثيرة تدل على ذلك منها اكتشاف النفط وتدفقه وتصديره وإنشاء بلدية ال، ودائرة معارف ال وعدد آخر من الدوائر الحكومية وبناء المستشفى الأميري والمدرسة الأحمدية التي كانت ثاني مدرسة نظامية في البلاد بعد المدرسة المباركية وكثير من الأعمال البارزة.


أما الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، فهو حاكم البحرين منذ سنة 1942م حتى سنة 1961م، وكان مولده في سنة 1894م، وقد ازدهرت الحياة في وطنه إبان فترة حكمه، وازداد عدد المدارس، وكثرت المشروعات النافعة.
وعندما توفي حل محله ابنه الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة الذي كانت تربطه بال روابط محبة، وهو في ذلك مشابه لوالده في هذه المشاعر.
الشيخ سلمان تربطه علاقة صداقة عميقة بالشيخ أحمد الجابر الصباح، وكانا يتبادلان الزيارات ويحرصان على استمرار الصلات بينهما، وهذا المقال هو إشارة الى شيء من ذلك.



صلة آل صباح بآل خليفة صلة قوية وقديمة، نعرف من بداياتها ما يتعلق بهجرة العتوب إلى هذه البلاد، وقد كان العتوب مجموعة بشرية مكونة من هاتين الأسرتين تضاف إليهما أسرة الجلاهمة، وقد ورد في كتاب
"ال في الوثائق البريطانية" أن هذه الهجرة تمت فيما بين سنتي 1700م و 1701م، وذلك اعتماداً على وثيقة مثبتة.


ولأمر ما غادر آل خليفة ال واستقروا في البحرين، وتولوا حكمها إلى اليوم، وعلى الرغم من رحيلهم إلا أن الصلة بأخوتهم آل صباح لم تنقطع، بل هي تزيد على الأيام وثوقا وتمكنا، وقد مرت بنا في
"الأزمنة والأمكنة" نماذج كثيرة تدل على قوة هذه الصلات.

كل الدلائل التاريخية المرتبطة بتاريخ ال والبحرين تدل على متانة العلاقات بينهما كما أشرنا، وأينما بحثنا وجدنا ما يشير إلى ذلك ويدل عليه، ولكننا هنا نود - فقط - الإشارة إلى حادثتين منفصلتين حدثتا في سنة 1949، كانت الحادثة الأولى هي زيارة الشيخ أحمد الجابر الصباح للبحرين، وأما الثانية فكانت زيارة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة لل وذلك كما يلي:


بدأ الشيخ أحمد رحلته إلى البحرين في اليوم الثلاثين من شهر مايو لسنة 1949م، واتجه إلى هذا البلد الشقيق بواسطة البحر على متن يخت جديد اسمه (أحمدي) وقد أمضى في هذه الرحلة إلى حين عودته أحد عشر يوما، وقد وصف أحد المدرسين القدماء، وهو مصري الجنسية هذه الرحلة وصفا دقيقا قال فيه
, استقل سمو الأمير يخته الخاص، ثم غادر ال في الساعة الخامسة صباحا، وبعد مسيرة نهار وليلة وصل إلى مياه البحرين، كان ذلك في فجر اليوم الثاني ليوم اقلاعه من ال أي في صباح يوم الثلاثاء الحادي والثلاثين من شهر مايو لسنة 1949م.

وعندما ارتفعت الشمس، وبدأ وقت الضحى ليوم وصوله استقل الشيخ أحمد الجابر زورقا بخاريا انتقل بواسطته إلى ميناء المنامة، وفي هذا الميناء كان الاستقبال الحافل له وللوفد المرافق له من قبل الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة وعدد من الشيوخ من آل خليفة، وحشد كبير من أهالي البلاد، وكان ذلك اليوم يوما مشهودا في تاريخ البلد الشقيق عبر فيه عن محبته لأمير ال ولأهلها، وأكد الصلات الطيبة التي تربط البلدين. كانت الزينات قد اقيمت
 والأعلام قد رفعت، بهذه المناسبة مما دل على صدق الأخوة والوفاء الجميل الذي يتميز به شعب البحرين الكريم، والمحبة التي يكنها لشقيقه الشعب الي وأميره.

وبعد هذا الاستقبال الحافل استقل الشيخ أحمد السيارة بصحبة أخيه أمير البحرين، وسارت بهما بين هتافات الجماهير التي كانت محتشدة على جانبي الطريق من ميناء المنامة إلى قصر القضيبية حيث يستقر الضيف خلال فترة الزيارة.
وفي صباح يوم الاربعاء كان موعد بدء الزيارات الاستطلاعية وفق البرنامج الذي وضعته حكومة البحرين، وقد ابتدأ الشيخ أحمد الجابر بزيارة المستشفى الأميري بالمنامة، وتفقد اقسامه المختلفة، واطلع على كل ما فيه من أنشطة طيبة تدل على اهتمام كبير بالمرفق الصحي هناك.


وبعد الظهر دعاه الشيخ سلمان بن حمد لمشاهدة فيلم
"رابحة" في حفلة خاصة أقيمت في دار سينما "اللؤلؤ" بالمنامة، وقد بدأت في تمام الساعة الثالثة.

أما في صباح يوم الخميس فقد قام الأميران بزيارة المدرسة الثانوية، وكان في استقبالهما الشيخ عبدالله آل خليفة رئيس دائرة المعارف، والأستاذ أحمد العمران مديرها، ومديرة معارف البنات، وعدد من مديري المدارس ورجال التعليم هناك.
طاف الشيخ أحمد الجابر بأنحاء المدرسة، وزار مختلف صفوفها الدراسية، وأبدى إعجابه الشديد بكل ما رآه وما سمعه، وبعد هذه الزيارة اتجه إلى زيارة المدرسة الشرقية، وهي مدرسة ابتدائية بها قسم للروضة كشأن مدارس ال، وقد توجه بعد ذلك إلى المبنى الذي يضم دائرة معارف البحرين، والقسم الداخلي والمكتبة العامة، وقد قام بزيارة المكتبة أولا، ثم تفقد النواحي المختلفة للقسم الداخلي، وفي استراحة قضاها هو ومضيفه الشيخ سلمان في شرفة من شرفات القسم الداخلي تناولا المرطبات والقهوة، وهنا القى الاستاذ احمد العمران مدير معارف البحرين بين يديهما كلمة ترحيبية بالنيابة عن الشيخ عبدالله آل خليفة رئيس المعارف، سوف نعود إلى استعراضها بعد قليل.

وبعد الظهر قام الأميران بزيارة مقر بلدية المنامة، ثم توجها إلى الحديقة المائية، وهي أحد المتنزهات العامة في البحرين.
وهذا كان يوم زيارة سوق المدينة، واللقاء بالشخصيات المهمة في المجال التجاري بالبحرين، ثم أقيمت للشيخ حفلة سياحية شيقة في عين عذاري حضرها الشيوخ ووجهاء البلاد، وكان يوم الخميس هو اليوم السابق ليوم سفره من هناك فأقام في يخته مأدبة عشاء عامرة، وغادر يوم الجمعة مودعاً بما هو أهله من التقدير والمحبة.

كانت كلمة الاستاذ أحمد العمران مدير معارف البحرين كلمة جامعة بدأها بالترحيب بالعاهلين، وتقديم الشكر لهما لقيامهما بهذه الزيارة لمركز العلم هناك، وذلك لأن في زيارتهما مزيداً من التشجيع للعاملين، وذلك أن هذين العاهلين الكريمين قد وجدا في الأسلاف قدوة رائعة بما قدموه طوال حياتهم من أعمال جليلة، وقال إن أولئك كانوا رسل خير وبركة، ورواد فترة ميمونة انتقلت فيها البلاد هنا وهناك إلى مراحل علمية تمكنوا بها من المساهمة بأكبر نصيب في استتباب الأمن ونشر لواء الطمأنينة.

ثم قال:
"ولا غرو إن حذوتم حذوهم وسلكتم سراطهم السوي المستقيم، ثم أقمتم بناء شامخاً، وصرحاً متطاولاً فوق ما وضعوه من أساس ثابت مكين"، وفي آخر كلمته أورد قوله: "وختاما أعود فأكرر آيات الشكر لعظمتكما على ما تجشمتماه من عناء هذه الجولة الخاطفة وانا لنعد الساعة من أبرك ساعات العمر واليوم عيداً سعد طالعه ونالنا شرفه، فلا أفلت أيها الأخوان الكريمان والأميران العظيمان شمس اليمن والإقبال عن سماء عهدكما الذهبي الزاهر ودام لكما ولأنجالكما وذويكما من آل الصباح وآل الخليفة الأماجد المجد والسؤود ولبلديكما الشقيقين وشعبيكما العربيين الكريميين الهناء والرفاهية، والسلام عليكما وعلى السادة الحاضرين ورحمة الله وبركاته".
وهكذا تمت الرحلة الميمونة وعاد الشيخ أحمد الجابر الصباح إلى الوطن وهو سعيد بمن لقيهم في البحرين وعلى رأسهم الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة الذي لم يفارقه طيلة أيام الرحلة، ولم يتأخر في تقديم كل وسائل الراحة له بحيث عاد وهو يلهج بالثناء على البلاد وأميرها وأهلها ويتذكر الساعات الجميلة التي قضاها هناك.


مرت الأيام سريعة، وفي مناسبة سعدت بها ال، وسعد أميرها الشيخ أحمد الجابر، قام الشيخ سلمان بن حمد آل الخليفة، بزيارة البلد الذي يحبه ويقدره، فجاء ليحل ضيفاً على الأمير الذي يذكر له مواقفه الكريمة عندما قام بزيارته التي تحدثنا عنها فيما سبق.


في اليوم الخامس من شهر نوفمبر لسنة 1949م كان الموعد المحدد لوصول ضيف ال الشيخ سلمان بن حمد، وكان ابتهاج الشعب الي كبيراً بهذه المناسبة مما جعل الكثيرين منهم يبكرون صباح يوم وصول المركب المقل للضيف لكي يشاركوا في الاستقبال والترحيب.

 وقد وصلت البارجة البريطانية التي تقل الضيف والوفد المرافق له، حيث تم اللقاء بين العاهلين السعيدين بهذا اللقاء، وفي الزورق تم الانتقال إلى رصيف الميناء حيث كان هنا عدد كبير من المستقبلين من الشيوخ ووجهاء البلاد وأعداد كبيرة من المواطنين الذين هزتهم هذه المناسبة فسعوا إلى المشاركة في الاستقبال. سار الموكب بعد ذلك تحت أقواس النصر متوجهاً إلى قصر السيف حيث المحطة الأولى من الرحلة.


كانت مدة الزيارة أربعة أيام، وهي مدة قليلة كان أمل الجميع أن تطول ولكن ال لم تنعم بأكثر من تلك الأيام الأربعة، وعلى الرغم من ذلك فقد اشتملت على زيارات مكثفة لعدد من النواحي العمرانية والثقافية وغيرها. ومن ذلك أن دائرة الصحة العامة أقامت حفلاً شائقاً في المستشفى الأميري، واطلع الضيوف قبل بدء الحفل على كافة جوانب المستشفى، واتجهوا بعد ذلك إلى موائد الشاي، وهنا ألقى مدير دائرة الصحة العامة آنذاك المرحوم نصف اليوسف النصف كلمة ترحيبية شاملة، ضمنها فرحة ال باستقبال ضيفها وصحبه، وتمنياته بزيادة هذا النوع من الزيارات بين مسؤولي البلدين الشقيقين لأن ذلك يؤدي إلى توثيق الصلات بينهما، ويفتح مجالات التعاون الجاد في سبيل الوصول إلى التنسق المطلوب واستفادة كل طرف من تجارب الطرف الآخر.

وفي اليوم الأخير للزيارة وهو يوم الثلاثاء الثامن من شهر نوفمبر لسنة 1949م بكر الأميران وأفراد الأسرتين الحاكمتين في ال والبحرين إلى زيارة دائرة معارف ال حيث كان الشيخ عبدالله الجابر الصباح في استقبالهم، يصحبه كل من مدير دائرة المعارف الفني ومديرها المالي وعدد من رجال الإدارة.
وبعد استراحة قصيرة توجه الجميع إلى زيارة سريعة لعدد من المدارس الابتدائية وللمدرسة الثانوية ومدرسة التجارة، ومعهد ال الديني، وكانوا يستمعون في كل موقع الى كلمات الترحيب التي يلقيها الطلاب مع كلمات كان نظار المدارس يلقونها، مما أثار الاعجاب، وبين التقدم الملوس في هذا الحقل المهم.



ونظرا لسرعة مغادرة الضيف فلم تتمكن دائرة معارف ال من تقديم كل ما لديها بهذا الخصوص، إذ كانت في نيتها اقامة حفلة شاي وتمثيل في اليوم التالي، وحفلة رياضية جامعة في اليوم الذي بعده، ولكن ذلك لم يتحقق للسبب الذي ذكرناه.


غادر الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة ال بعد زيارته لها ولقائه أميرها ورجاله، تاركاً أطيب الذكريات عن هذه الزيارة، كما كانت زيارة الشيخ أحمد الجابر الصباح شبيهة لها في تقوية أواصر المودة بين رجال البدين الشقيقين، وهم دائما يحرصون على دوام الاتصال حتى تلقى عنهم خلفهم ذلك المبدأ الطيب فساروا على المنوال الذي سار عليه السلف، ولا ينكر الناس في هذه الأيام أهمية الغرس الذي وضعه السابقون فأدى الى ما نحن فيه من ارتباط قوي ليس مع البحرين فقط بل مع دول الخليج العربية كافة، ومجلس التعاون لدول الخليج دليل ساطع على قوة الغرس، فإن ما أوصل الدول الست الى هذا الارتباط المبارك لم يكن ليتحقق لولا مبادرة السابقين الى مداومة الاتصال وتقوية الروابط فيما بينهم.


هذا ويذكر لنا التاريخ أن الزيارات لم تنقطع بين ال والبحرين، ففي سنة 1952م كانت للشيخ عبدالله السالم الصباح زيارة للبحرين تمت على النحو الذي حدث في سنة 1949م وسوف نعود إلى الحديث عن هذه الرحلة وما رافقها من فعاليات في المستقبل القريب إن شاء الله.

عوده الى رجال الكويت