الأدب الي خلال نصف قرن من 1950م
 

المسرح والمقالة .. ومشروع نقدي طموح:
شكلت الندوة التي عقدت في ال بين 12-14 كانون الثاني / يناير 2002م إضافة نوعية، خاصة وأن العديد من البحوث التي قدمت خلالها تميزت بالعمق والجدة والمنهجية والتحليل الموضوعي للقضايا التي عالجها الأدب في ال خلال خمسين عاماً والجماليات التي انطوى عليها وتطورت في سياق التجربة والنضوج.
في العدد الماضي عرضنا إلى محورين من محاور الندوة وهما محور الشعر ومحور القصة ونستكمل في هذا العدد عرضنا للبحوث المقدمة في محوري "المسرح" و "المقالة" والبحث الذي اختتمت به الندوة وكان بعنوان " الأدب الي في عيون النقاد العرب ".


1-
المسرح في ال.. وقضية الاغتراب
2-استدعاء التراث في الفن المسرحي الي
3-الترجمة والاقتباس في النص المسرحي الي
4-المقالة وتطورها في ال
5-الأدب الي في عيون النقاد العرب


شهد كل من المسرح والمقالة في ال فترات نهوض حيناً وتراجع حيناً آخر، وذلك بحكم جملة من العوامل الاجتماعية والسياسة والاقتصادية، لكن المنحى العام لهما كان منحى متطوراً في المنظور العام، ولعل إدراجها في هذه الندوة هو توجه جديد نسبياً، يرى إلى الطبيعة "الأدبية" لهما، ونأمل أن يستمر.


المسرح في ال.. وقضية الاغتراب

قدم البحث الأول في محور المسرح د. نديم معلا محمد وكان بعنوان "قضية الغربة والاغتراب في النص المسرحي الي" استهلها بالقول : تبدو الغربة كموضوعة إنسانية اجتماعية في المسرح الي كأنها محصلة أو نتيجة لانفتاح المجتمع على العالم بعد أن أدركه النفط وخلخل بنائه فاتسعت الفجوة بين النمطين القديم والحديث للحياة، حيث خرج الثاني على سياق التطور الطبيعي المتدرج وجرى الانفتاح على ثقافة مغايرة (ثقافة ممارسة براغماتية تتجلى في استخدام المنتج استخداما آلياً، دون الوقوف على حيثيات إنتاجية .. أو تمثلها).
وقسم الباحث الغربة إلى أربعة أنماط هي (غربة المكان، غربة الزمان، الغربة الإنسانية، وغربة الآلة"الاغتراب".)
في النمط الأول رأى أن المكان ليس هو أي مكان أو مجرد حيز أو مجال أو فضاء، إنه المكان النقيض المحمل بدلالات ثقافية وضرب مثالاً عليه مسرحية "ضاع الديك" لعبد العزيز السريع، حيث ظهر "يوسف" في المسرحية بمظهر هجين ويتحدث بلغة لا يميز فيها بين المذكر والمؤنث وتختلط لديه الفصحى بالعامية.. ويطلب لحم الخنزير على الغداء‍‍ , ومن الخارج إلى الداخل يبني السريع شخصية "الغريب" فيظهر الاختلال في العادات والتقاليد والمنظومة الأخلاقية، دافعاً "سارة" إلى أن تصبح وهي ابنة المكان مستغربة.


أما في النمط الثاني "غربة الزمان" فيورد د. معلا مسرحية "واحد اثنان ثلاثة أربعة..بم" لصقر الرشود وعبد العزيز السريع حيث يتقابل زمنان ويتواجها وتتصارع الشخصيات التي تسكنهما, إنها فانتازيا محلية ينشئ فيها المكان زمنه الخاص. يقول الأب العائد من الزمن القديم :"دنياكم هذي تخوف يا ولدي" وفي اختزال للمكابدة اليومية للغريب الذي اعتاد نمط حياة سهلا وبسيطا لا إبهار فيه ولا تعقيد "الحنين إلى زمن ما قبل النفط".
في المسرحية حنين إلى الزمن الماضي لكن الكاتبين يعيان أن ذلك لا يعني انتهاء الحياة في الحاضر، حيث يضاء المسرح بسماء زرقاء وغيوم بيضاء ويبدو القمر وبعض النجوم وينطلق صوت الممثل يكسر الإبهام :"هذه كلها سرحات".."هذه دنيانا" مشيراً إلى الصالة الواقع.


في النمط الثالث "الغربة الإنسانية" يقدم الباحث مسرحية "الطين" لصقر الرشود نموذجاً فيحلل علاقة الشخصيات فيها والتي اتسمت بالانقطاع بسبب الفوارق الطبقية، فغرقت كل شخصية في بحر همومها وهواجسها وأحلام يقظتها..وصمتها المطبق.


أما النمط الرابع "غربة الآلة" فيختار له مسرحية "مدينة بلا عقول" لسليمان الحزامي مثالاً لاستلاب الإنسان أمام الآلة وتحوله إلى عبد لها "فيغترب عن إنسانيته ..ويتجرد منها بتنازله عن حريته".
ويخلص د. معلا إلى أن :"الغربة في النص المسرحي الي لا تقوم على صدام قوى اجتماعية "طبقية" ولا على قهر أو قمع سياسي، ولا تقارب وضعاً اقتصادياً مأزوماً، أو تشي بانفصام بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون, وأما الاغتراب الناشئ عن تحويل الإنسان إلى آلة فهو تعبير عن نزعة كونية همّها الإنسان، وهي حالة نادرة في النص المسرحي الي، الذي شغله الواقع الي بطيفه الاجتماعي أولاً وقبل كل شيء".


وفي تعقيبه على هذا البحث قال أ.د. عبد الغفار مكاوي إنه كان أجدى لو كان اقتصر د. معلا على استخدام مصطلح الاغتراب دون مصلحة الغربة ودلل على ذلك بأمثلة متعددة من التراث العربي / الإسلامي والعالمي ، ثم أشاد بتوفيق الباحث في اختيار مستويات الاغتراب في المسرحيات الأربع التي أَضاءها ونظر المعقب في معاني تلك المستويات، ثم انتقل إلى الإشادة بمؤلفي تلك المسرحيات وجرأتهم في معالجة قضايا مجتمعهم وسأل : هل استمر المسرح الي باتجاهاته المختلفة في تبني هذا الدور النقدي الجريء؟ وما النصوص التي تشهد على هذه الاستمرارية ؟ ولماذا لم يمر الباحث على أي منها ؟ خاصة أن المسرحيات الأربع قد كتبت وعرضت منذ أكثر من ربع قرن.


استدعاء التراث في الفن المسرحي الي

الجلسة الصباحية من اليوم الثالث للندوة استكملت محور المسرح فتلا د. إبراهيم غلوم بحثه المعنون "حضور التراث في النص المسرحي في ال .. الأوهام والتناقضات" قلّب في مقدمته ما أسماه "أوهام استدعاء التراث وتوظيفه" فأكّد أن التراث ليس ماضياً ,,ودلل على ذلك بأمثلة تاريخية من المسرحين العربي والعالمي.

وكشف أن تلك الأوهام ,أورثتنا نصوصاً لم تحتمل الاستمرار والخلود في ذاكرة الحركة المسرحية .. لقد تحولت إلى تراث يصعب إحياؤه أو استعادته..لدرجة أن أياً من المخرجين لم يفكر في إعادة عرض نص واحد منها باستثناء مسرحية "خروف ينام ينام" لحمد الرجيب التي أخرجها فؤاد الشطي عام 1982 بعد التدخل في إعادة صياغتها. وعن أعمال صقر الرشود وعبد العزيز السريع قال "والغريب أن هذين الكاتبين لم يخضعا لحضور التراث بوصفه مادة خاما وإنما بوصفه عناصر إستيهامية في حركة المجتمع عبر المواقف السلوكية والذهنية للشخصيات في الحاجز والمخلب الكبير، والطين وعنده شهادة وضاع الديك، والدرجة الرابعة".


كما كشف غلوم عما في نص "مهزلة في مهزلة" الذي وضع فكرته حمد الرجيب وكتبه شعراً أحمد مشاري العدواني من تكريس للحضور والمتناقض للتراث في بنية هذا النص ورؤيته، ويمر بنص "فرحة العودة" لمحمد النشمي معتبراً أن حضور التراث فيه "سماه النشمي : استلهام التراث" معاد للحياة، لأنه تمجيد للماضي رغم مفارقاته وبؤسه ويبرر بالقول  "لو أن هذه الصورة قدمت على المسرح في فترة ازدهار حياة البحر والغوص في ال لكانت مثيرة للضحك .. فلن يقبل أحد من عمال البحر المطحونين بالاستغلال وفظاظة الفقر والتخلف أن تصور حياتهم على هذا النحو من الزهو والرضا والاطمئنان".
ومما يندرج تحت هذا التحليل نصوص المرحوم سالم الفقعان (النواخذة 1971) و (أوه يا مال-1999).
ويصنف الباحث الفنان سعد الفرج كمتشبت بالحضور النمطي للماضي (عشت وشفت-قدمت بالعامية 1964 ونشرها الكاتب بالفصحى 1975)، لكن ليس مجتمع البحر هنا بل مجتمع القرية الزراعية، ولكنه يشيد بالفصل الثالث منها الذي لامس فيه الفرج -بالخروج على النمطية- حياة تتقاطع مع حياتنا، ومنح المسرح قيمتها الفنية.
ويخوض البحث تحت عنوان "الحضور التشاكلي للتراث" في معنى التشاكل والالتباس والتعايش بين صورتين للتشابه: تشابه التراث الذي يصطنعه المؤلف مع التراث المعروف في التراث العربي، وتشابهه مع الحياة الراهنة، وما يتيحه ذلك من قدرة على التخفي بنعومة أمام سلسلة الرقابات السياسية والاجتماعية، ويقدم مثالاً عليه نص "خروف نيام نيام" لحمد الرجيب "نشره في مجلة البعثة 1949" خاصة وأن هذا النص " قد كتب في مناخ الصمت السياسي وترقب ما سيحدث لحركة القوى الوطنية في الخمسينات".

ويصنف د. غلوم مسرحيتي حسن يعقوب العلي "عشاق حبيبة 1977، والثالث 1978" في نفس السياق، ويخوض في تحليل خلفياتها السياسية والاجتماعية، وشخصياتها.
ويتابع د. غلوم ملاحظة أشكال حظور التراث في النص المسرحي في ال ليصل إلى "الحضور النسقي" له ، وعبره استطاع النص تجاوز كل من الصيغة النمطية والصيغة التشاكلية معا، ويثني على هذا النسق لكونه "المنبع الخاص بالتصورات والمفاهيم المهيمنة التي تتحدر من نظام يكونها ويرتب حضورها في أفكار الناس لغة وأخلاقاً وتراثاً ودينا وفنوناً وآداباً إلخ".


ويشير إلى انبناء هذا النسق على التراكم، ما يستبعد النظر إلى التراث كوحدة زمنية منفصلة في اجتهاد الكتابة. هكذا تكف أحداث التاريخ عن كونها حقائق ثابتة، وينتفي شرط التطابق بين الواقع المعاصر والتراث، أو العكس. ويقدم مثالاً على ذلك مسرحية "تنزيلات" لمهدي الصايغ التي تصف كيفية التحول من أقساط النفط "وتوظف لذلك تقنية الترغيب الملحمي، والمسرح داخل المسرح، كما يشير إلى تجربة ينبغي التوقف عندها لسليمان الحزامي : "مدينة بلا عقول 1971" و"القادم 1978" و "امرأة لا تريد أن تموت 1978" و"يوم الطين 1983" و "المسألة 1983" و "الليلة الثانية بعد الألف 1998" و "بداية البداية 1989" و"بداية النهاية 2001" وهذه التجربة مليئة باستعارات مباشرة وغير مباشرة من مسرح العبث، كنها تمثل اجتهادات ينفرد به صاحبها بين سائر كتاب النص المسرحي في ال لجهة الحضور النسقي للتراث في نصوصه.
وتولى مهمة التعقيب على بحث د. إبراهيم غلوم الكاتب المسرحي الأستاذ عبد العزيز السريع، فأوجز وأثنى عليه، لكنه ومن باب احترامه لتجربة مسرح الرواد، ذلك المسرح الذي بدأ فيه أخذ على البحث ظلم تطبيقاته، ورفض "تصديق النظرية" والتنكر لمسرح النشمي وقال  "ينبغي لنا الاهتمام بالتاريخ والظروف والمفاهيم السائدة والمعطيات الثقافية المتاحة.. وإني أزعم أن جملة النصوص والعروض في فترة الخمسينات قد تساوت مع حركة النهضة والتغيير للأفضل..وكانت متفاعلة مع الحراك الاجتماعي العام نحو التقدم وضد التزمت والتراجع والتخالف".


الترجمة والاقتباس في النص المسرحي الي

البحث الثاني من الجلسة الصباحية كان للباحث الأستاذ صدقي حطاب وكان بعنوان "نماذج من الترجمة والاقتباس في النص المسرحي الي" أشار في بدايته إلى الدور الرائد لحمد الرجيب، والذي استمر من النصف الثاني من الأربعينات حتى نهاية عام 1953م وخلو بدايات المسرح في ال في تلك الفترة من أي أثر لترجمة أو اقتباس عن مسرحيات غربية.
لكن الباحث يذكر بعروض بين ال في القاهرة خاصة "هاملت" و"تاجر البندقية" وإن كانت قد قدمتا باللغة الإنجليزية.. ولجمهور خاص جداً ..كما يذكر بترجمة الي محمود توفيق أحمد لثلاث مسرحيات لموليير في نهاية الخمسينات، تلك الترجمة التي استفاد منها بعد عشرين سنة علي النجادة الذي أعد ترجمته لمسرحية "طبيب رغماً عنه" وأخرجها محمد خضر بعنوان "طبيب في الحب" وقد قدمها المسرح العربي عام 1977م.


كانت الانطلاقة الثانية للأخذ عن نصوص مترجمة عام 1965 حين أخرجت مسرحية "صفقة مع الشيطان" وتلتها عام 1967م مسرحية "24ساعة" "لروبرتو فلليني" أخرجها حسين الصالح وقدمها المسرح العربي ثم تتالى هذا اللون من المسرح فأخرج عبد الأمير مطر للمسرح العربي " لا طبنا ولا غدا الشر " وكان وفاء الصدر قد اقتبسها عن مسرحية بيرانديللو "لكل شيء حقيقته" ومسرحية "المرة لعبة البيت" التي أعدها وكونها صقر الرشود عن مسرحية لإبسن وعرضت عام 1968م.
ويستطرد حطاب في جرده لقائمة المسرحيات المقتبسة عن أصول أجنبية فيحصر منها ست في فترة الستينات وثلاث عشرة في السبعينات لتنخفض في الثمانينات إلى سبع وتهبط إلى خمس في التسعينات.
كما يشر الباحث إلى أنه بالرغم من إنشاء معهد الدراسات المسرحية 1974م-تحول فيما بعد إلى المعهد العالي للفنون المسرحية- وقبله إطلاق سلسلة "من المسرح العالمي" 1969م والتي صدر منها مايربو على 350 مسرحية فإن الاستفادة منهما في إعداد نصوص تقدم على مسارح ال مازال محدودا جدا.
وبعد إشادته بدور إذاعة ال في تقديم مسلسلات درامية مأخوذة عن روائع القصص العربية والأجنبية ينتقل الباحث إلى ميدان نقد المسرحيات الأهم التي أعدت عن المسرح العالمي وقدمت على خشبات المسرح الي فيلاحظ أن صقر الرشود كان أميناً إلى حد كبير في نقل النص الأصلي إلى اللهجة الية حين جعل عنوانها "المرة لعبة البيت" ما جعل منها "فتحاً جديداً في النقل الأمين للنصوص المسرحية الجيدة.." إلى المسرح الي.


كذلك مسرحية "سهارى" التي أعدها وأخرجها حسين الصالح 1972م عن مسرحية "ليلة ساهرة من ليالي الربيع" بونثيللا الأسباني حيث قام الصالح بالمحافظة على حبكة المسرحية "لكنه اختصر الحوار في مواضع غير قليلة".
وهناك مسرحية "الثمن" لآرثر ميللر التي أعدها باللهجة الية عبد العزيز السريع وأخرجها فؤاد الشطي وقدمت في المهرجان المسرحي الأول 1988م "كان حسن المتروك قد أعد هذه المسرحية باللغة العربية الفصحى وأخرجها وقدمها للمسرح الجامعي في 1978م عندما كان طالباً في كلية الحقوق"، ويشيد الباحث بإعداد السريع "الذي خلا من أي أثر للعجمة واستبدال كل الإشارات الأجنبية بإشارات ية وعربية وحذف النصوص التي لا يمكن تطويعها".


ويصل حطاب إلى "طبيب في الحب" التي أعدها علي النجادة عن "طبيب رغماً عنه" لموليير فيرى أن المعد "خفف بعض العبارات للضرورة العرفية خاصة في المشهد الكوميدي الذي يحاول فيه "عوعو" إغواء مرضعة " ليلى" أم ناطح..وغيرة زوجها.
كما يلاحظ أن المعد قد أقحم في النص المكون أبياتاً من الشعر أجراها على لسان قيس "حتى ليخيل إلينا أننا أمام قيس بن الملوح وليس لياندر مولييرويرجى مثل ذلك على لسان أم ناطح حين تردد جزءاً من أغنية مصرية".
وعن موليير أيضاً اعد أحمد الشطي "مدرسة الزوجات" بعنوان "مربي الزوجات" وكان أميناً عندما كتب أنها "مستوحاة" وإن كان قد استوحاها على عجل، مع محافظته على الشخصيات الأصلية وأدار الحوار بالعربية الفصحى التي استخدمها مترجم المسرحية، وغيّر بعض المشاهد "فلا حانة عنده .. ولا رقص "


وعن المسرحي اليوغسلافي برانيسلاف نوشييتس أعد عبد الأمير التركي باللهجة الية مع سعد الفرج "حرم سعادة الوزير" أخرجها سعد الفرج للمسرح الي عام 1980م، ثم أعد الاثنان مسرحية "ممثل الشعب" ليخرجها الفرج عام 1981م.
في الأول حذف المعدان المشهد السادس عشر من الفصل الرابع ودمجا الفصل الثالث بالثاني كما حذفا المشهد الحادي عشر من الفصل الثاني رغم أهميته "في تصوير السلوك البرجوازي المتهافت الذي يثير فينا السخرية والضحك معاً"، وأدخلا شخصيات جديدة "لطفي ..المستشار المصري المتعالم والمغرور بأمجاد مزعومة لأسرته، والخادمة الهندية، وأبا ذر-القائم بدور الكورس في المسرحية اليونانية" مما جعلهما يغفلان الحوارات المهمة للشخصيات الأصلية.


ويستمر النقد والتحليل لهذا اللون المسرحي ليطال "مفاوضة مع الشيطان" التي اقتبس فكرتها أو استوحاها صالح موسى من أسطورة فاوست وأخرجها عبد الأمير مطر بمساعدة علي خريبط عام 1974م، ومسرحية "أول من صنع الخمر" لتولستوي والتي أعدها وأخرجها منقذ السريع وقدمها مسرح الخليج العربي عام 2001م، وكتب الباحث عن الثانية "اعتمد منقذ السريع في إعداده على لغة الترجمة "الفصحى" ولم يتدخل بالحذف والإضافة إلا على نحو محدود جداً، ولم يتردد في الأخذ بالأسماء الروسية "بصيغة التحبب".
وختم البحث بالإشادة بكثير من المعدين واقتباسهم، لدرجة أن كثيراً من النصوص لا تشعر المرء أنها مقتبسة عن نص أجنبي، مع انطوائها على قدر كبير من الأمانة في النقل والبراعة في الت، خصوصاً أولئك المعدين الذي كانوا على درجة من الثقافة المسرحية والمعرفة بحرفية المسرح وطبيعة النص وروحه، كما أن مستوى الحذف والإضافة قد لعب دوراً في ذلك التوفيق.
وبهذا البحث اختتم محور "المسرح" في الندوة.
المقالة وتطورها في ال
إذا كانت المحاور السابقة "الشعر والقصة والمسرح" قد تم تسليط الضوء عليها من زوايا مختلفة وكتب في كل منها ثلاثة بحوث، فإن محور المقالة قد اقتصر على بحث واحد للدكتور محمد حسن عبدالله نحا فيه منحى انتقائياً في عرضه لتاريخ المقالة في ال وأعلامها، فنهج منهجاً تسلسلياً تاريخياً لا يستقيم والواقع الحقيقي، وأغفل تطور الفنيات في هذا النوع من الكتابة إلى حد كبير.


بدأ عبدالله بحثه بما دعاه حقيقة أن "فن المقالة في دولة ال بين 1950م و2000م كانت أقرب فنون التعبير إلى تجسيد واقع الحياة الثقافية" أكثر من الفنون الأخرى .. مما يرجح المنظور التاريخي والتقسيم إلى مراحل تحددها أحداث فارقة أو شخصيات مؤثرة، لكنه في مقدمته يشير إلى أنه أقام أحياناً نوعاً من التوفيق بين المنظور التاريخي والمنظور الفني، وأحياناً أخذ بأحدهما في موقع دون الآخر، ويعدد لذلك ثلاثة أسباب لا تبدو مقنعة خاصة وأن الأمر يتعلق باختيار المنهج.
تحت عنوان "البعثة وتأسيس شكل جديد" يقلب الباحث في صفحات مجلة البعثة ليعدد مقالات كتابها ونوع اهتماماتهم ومستوياتها ويعتبرها "مدرسة تجريبية أو تدريبية- لفن الصحافة الية ..وعاء للمحاولات المبكرة للقصص القصيرة والمقالات .." مشيراً إلى أن العناوين لديهم تدل على "بداهة الكتابة وغياب التصميم واستقبال تداعي الأفكار، وقد اتخذ لدى جاسم عبد العزيز القطامي ومحمد الفوزان مثلا صيغة الاهتمام بأدب الرحلة" وإلى أن نموذج مقالات "خواطر" فاضل خلف وفهد الدويري جنح إلى "الإغراق في الذاتية".
ويلاحظ ثانياً- تنوع الجانب الموضوع في مقالات "البعثة" ما أسفر عن نوع من التكامل "الذي يشف عن رغبة قوية في ملء المسافات الشاغرة" فيورد الباحث كشفاً بالاهتمامات التي شغلت كتاب تلك الفترة.
ورأى أيضاً أن تلك المقالات مثلت تدريباً ليس لكتاب حسب إنما لقارئ الصحيفة على القراءة والتفاعل والتعقيب وهذا ما درجت عليه صحافة ال في الخمسينات، لكنه يمر مروراً سريعاً على عقد الخمسينات ويذكر منه بعض الأسماء التي تحولت إلى مهنة ما، أو انخرطت في الحياة السياسية وانشغل أصحابها عن كتابة المقالة، ما دفع إلى مكان الصدارة أسماء أخرى أهمهم عبد الرزاق البصير الذي لم يكن بحكم عوامل مختلفة- إلاه تقريباً في الساحة "فراح يمطر المجلات العطشى إلى أقلام ية بمقالاته في كافة شئون الحياة والثقافة والسياسة والحضارة والتاريخ والأدب وقضايا النقد والبلاغة والكتب والأخلاق والرقابة والجهاز الوظيفي ,,, إلخ".


وفوراً يقفز الباحث إلى د. محمد الرميحي الذي ظل طوال ثمانية عشر عاماً مدعواً لكتابة المقال الافتتاحي لمجلة "العربي" كرئيس تحرير لها، وقبل ذلك لكتابة المقال الافتتاحي لمجلة "دراسات الخليج والجزيرة العربية" فيبين أن افتتاحية في "العربي" والتي جمعت في ثلاثة كتب وحملت عنوان "حديث الشهر" قد أصّلت طريقة وركزت جماليات".
وخاض د. عبدالله في لغة تلك المقالات ماثلة في مفرداتها وتراكيبها- "لأنها مرتكز شخصية الكاتب / المقالة" فأثبت نسب حضور بعضها ومواضعها ونسبها التراثي ومقدار تأثر كاتبها بالثقافة الأجنبية وتراكيبها، والنوازع الجمالية في العناوين والأسلوب، ويعرض بعد ذلك إلى نماذج من تلك المقالات.
ينتقل البحث بعد ذلك إلى ما أسماه "السكر المحترق" وعنى به المقالات القصيرة جداً في نصف عمود صحفي يتكرر بانتظام في المكان نفسه من الصحيفة تحت عنوان محدد الصيغة، متسع الدلالة، يقبل التنوع الموضوعي ..ويلبي الطلب اليومي.
وبعد أن يبين اتساع ظاهرة هذا اللون من الكتابة واستقراره في ال منذ أوائل السبعينات (بدأه سليمان الفهد تحت عنوان "مواقف") يعدد أسماء كتابه "أبجدياً" وعناوين سكّرهم المحترق، ويجمل القواسم المشتركة لتلك الكتابات التي يلاحظ فيها "نزعة واضحة نحو الشعبية" ويركز على صالح الشايجي ومقالاته القصيرة، ليصل بعد ذلك إلى رؤية إجمالية تضمنت رضاه عن "التنوع الموضوعي الذي بلغ مدى واسعاً يوشك أن يكون قد استوفى التخصصات العلمية والاتجاهات الاجتماعية والسياسية والنزعات الذاتية، فضلاً عن الجوانب الجمالية الخاصة" , ويمثل لذلك بمقالات عبد الرزاق البصير وفاضل خلف وعبدالله حسين الرومي.
وقد عقبت على هذا البحث الدكتورة سعاد عبد الوهاب التي أثنت على الباحث وبحثه الذي "حرر فن المقالة من القيد الحديدي المهيمن باسم النثر الفني..وربط بين المقالة والمقالة القصصية وأدب الرحلة، وحشد إحصائياً مفردات وتراكيب ..إلخ".


ولكن د. عبد الوهاب أخذت على البحث اختزاله مرحلة ماقبل منتصف القرن في عرض تاريخي لا فني ورفع عبد الرزاق البصير لينفرد بتمثيل مرحلة زمنية لا تقل عن ربع قرن.."تمنيت لو أن قلما آخر وجد لنفسه مكاناً ( في البحث طبعا) إلى جوار قلم البصير"، وتشير في هذا الصدد إلى الأستاذ عبدالله زكريا الأنصاري.. وفاضل خلف وعبدالله حسين كما تأخذ عليه عدم ترتيبه الأعمال الأدبية للبصير بترتيب ظهروها وكذلك أمثلته المنتقاة من عشرات المقالات للدكتور محمد الرميحي.


الأدب الي في عيون النقاد العرب

واختتمت ندوة الأدب الي في نصف قرن ببحث للدكتور فايز الداية بعنوان "الأدب الي في عيون النقاد العرب" بدأه بثلاث مقدمات هي أقرب إلى ملاحظات تشير إلى صعوبة الإحاطة بالمتون المتناثرة تحت هذا العنوان رغم ما يقوله عن "مقولة الكم النقدي المحدود للأدب الي" والتي يحيلها إلى إشكالية المركز والأطراف وفي الثقافة العربية ، كما يشير في موضع آخر إلى "تفرق الأعمال الأدبية في الصحف والمجلات يجعلها بعيدة عن الأنظار المتأملة والقاصدة إلى الدرس والتحليل".
ويحدد د. الداية ثلاثة محاور لدراسة الأدب الي في عيون عربية كالتالي :


1 مادة النقد .. والزوايا الفرعية الملحقة به، ويعتبره وعاء خارجياً وإطاراً ناظماً، ويتفرع إلى التحليل المنهجي المعياري وعلاقة النقد بالمجال أو النوع الأدبي، ويلفت ضرورة المنهجية العلمية والعمق في تناول المواقف والتجارب الشعورية والظواهر الأسلوبية والبنية الفنية.
2 النقاد ومواقعهم ومواطنهم الإقليمية وعلاقتهم بال.
3 الأعمال الأدبية التي درسها أو عرض لها النقاد العرب، منفردة أو مجتمعة، ووعاء درسها "سلسلة أو كتاب" والظواهر التي استغرقتها تلك الأعمال وأهمية إضاءة شخصية مبدعها.


ثم قدم الباحث رصداً للنقد العربي الذي تناول الأدب الي في خمسين عاماً واعتبره "إجراء أولياً سوف يستكمل لاحقاً"، وذلك من خلال لمحات عن الكتب النقدية، والكتب التي تناولت الأدب في ال كجزء من تكوين أشمل في الخليج العربي أو على امتداد الوطن الكبير، والبحوث النقدية المشاركة في ملتقيات أو ندوات عن الأدب الي والتي صدرت في كتب تذكارية أو أعداد خاصة للمجلات المتخصصة، وصولاً إلى المقالات النقدية المتخصصة القصيرة، والمقالات العامة وعروض الكتب والدواوين، والمقالات المتخصصة القصيرة، وينهي د. الداية بحثه ب" تعقيب على وقائع النقد في مجلة البيان" ليشير إلى عدد من الدراسات المهمة والجهود المشرقة لأسماء محترمة ودؤوبة فيها.
عقبت على هذا البحث د. نجمة إدريس فتساءلت أولاً عن ماهية العنوان وبررته بهدف "قياس مدى انتشار مشهد الأدب الي عربياً" وضمت صوتها إلى صوت الباحث الذي طالب بنشر الأدب الي عبر المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من خلال تبنيه لمشروع ترويج الكتاب الي عربياً، لكن الباحثة أخذت على الكتابات عن الأدب الي أنها بضاعة ردت إلى أصحابها ، كونها كتبت للاستهلاك المحلي وليست للجماهير العربية في البلدان التي ينتمي إليها كاتبوها.


كما عرضت د. نجمة إشكالات النشر والتسويق وطباعة الكتاب الي في العواصم العربية، وأكدت تخاف سياسة النشر والتوزيع في ال وغياب الهدف والرؤية وانعدام المسؤولية الثقافية، وتوقعت لذاك ولأسباب أخرى " أن يشهد الكتاب الي المزيد من التقوقع والحصار والحرمان في الدوائر المغلقة"، وبمرارة أشارت إلى تقاعس الأدباء اليين عن تطوير أنفسهم لإقناع الآخرين بتمييزهم.
وقد ختمت د. نجمة تعقيبها بملاحظتين :


الأولى: هي المنهجية السليمة التي اتبعها د. الداية رغم هلامية مصطلحي "نقد" و "نقاد" إذ أطلق أحدهما جزافاً على من لا يستحقه، وألصق الآخر بكتب لا علاقة لها بالنقد، ومنها كتابها "الحركة الأدبية والفكرية في ال"
الثانية: فتتعلق باتخاذ الباحث مجلة "البيان" الية مرجعاً دورياً وحيداً لاستقصاء ما كتب حول الأدب الي، في حين أغفل مجلات دورية أكثر أهمية ومنهجية وأعمق معايير علمية وموضوعية كالمجلات العلمية المحكمة الصادرة عن الجامعات الخليجية، وكذلك الرسائل العلمية

عوده لتاريخ الكويت