فائق عبد الجليل.. عاشق الوطن ورجل المعادلة الصعبة



أول شاعر قتيل في تاريخ ال
 


الغالية أم فارس تحية.. محبة.. تقدير.. لك وللأولاد.. وأرجو أن تكونوا صامدين في الغربة.. مثلما أنا صامد هنا في الوطن اليوم الجمعة.. الوقت الساعة الرابعة فجرا.. المكان غرفة نومي.. وتحت ضوء الابجورة التي تلتحم برأسي باستمرار. لقد وعدتك أن أغادر ال الخميس.. ذهبت وجلست أتصفح أفكاري التي تتكاثر ثم تصبح فكرة واحدة.. وهي فكرة البقاء، كل أفكار الرحيل التي أتت إلي كانت مهزوزة وغير ثابتة وغير مستقرة إلا فكرة البقاء كانت هي الأكثر ثباتا... والأكثر قوة... فقد اكتشفت أن البقاء في ال يعطيني المناعة.. والقوة والصلابة، وبقائي هنا لا يعني أني غير محتاج لكم... أنا في أشد الحاجة لكم... ال بأمس الحاجة لي... قوموا بواجبكم الوطني في الغربة على أكمل وجه.. وقدموا ما تستطيعون تقديمه مع إخوانكم اليين... حتى ساعة الفرج


كانت تلك هي كلماته الأخيرة التي شكلت منعطفا غيّر من ملامح خريطة الأمل في لقائه من جديد، حيث وجدت رسالته بعد تحرير بلاده من الغزو العراقي عام 1991 في مطبخ منزله حينما عثرت عليها زوجته (أم فارس) وكان فوقها قلم تقطعت عروقه بجانب كوب من الشاي لم يسعفه الوقت لشربه.

هو أول شاعر قتيل في تاريخ ال منذ استقلالها عام 1961 اسمه الحقيقي "فائق محمد علي العياضي"، وهو معروف بفائق عبد الجليل نسبة لخاله عبد الجليل الذي تولى رعايته منذ صغره، من مواليد ال 5 مايو 1948، عمل موظفا في بلدية ال. كانت تجربته الأولى مع الرسم حيث كان رساما ثم تحول الى الرسم بالكلمات وقام بإصدار ديوانه الأول وسمية وسنابل الطفولة في عام 1967، إذ إنها كانت أول محاولة شعرية توثق ماضي ال الحديث، فقد تميز بتناغم القصيدة والقصة وكان أسلوبه مزيجا بين العامية والفصحى، ويبرز في ذلك الديوان مدى تعلقه بال القديم والماضي الجميل، حيث ذكريات طفولته. وعندما سئل كيف كان الشعر أول مخالفة صحيحة في حياته قال ::

في مجتمعنا يعتبر الاقتراب من كلمة مضيئة أو من الوتر أو من ميكروفون مخالفة.. وكنت منذ طفولتي أدرك أن دستور العائلة لا يسمح لي بأن أتعامل مع تلك الأشياء، وعندما تعاملت معها أدركت أنني خالفت قوانين بيتي ومجتمعي وأدركت بأن مخالفتي كانت صحيحة.

كان فائق في منتصف الستينيات مع مجموعة من الشعراء والأدباء يلتقون دورياً في مقهى يدعى (هاواي) يقع على ضفة فهد السالم أحد شوارع ال الرئيسة منهم الأديب إسماعيل فهد إسماعيل وعبد الله المسعود ورسام الكاريكاتير الراحل ناجي العلي حيث كانوا يقومون في ذلك الوقت بقراءات مشتركة ويطلعون بعضهم بعضا على انتاجهم حيث ان فائق يعشق القراءة فهو قارئ نهم وكان يحترم الكتاب أشد احترام منذ صغره. ومن ثم قام بإصدار ديوانه الثاني عام 1977 بعنوان سالفة صمتي حيث يلتمس فيه بوضوح نضج الشاعر، ويعتبر فائق شاعرا مجددا ذا تجربة شعرية مميزة، وهو أيضا أول من كتب وقدم عملا مسرحيا للعرائس في ال من تأليفه وكان اسم المسرحية أبو زيد بطل الرويدلمخرجها أحمد خلوصي، وكان ذلك عام 1974 وكتبت مقالة بتلك المناسبة للصحافي وليد أبوبكر في جريدة الوطن الية آنذاك بعنوان مسرح العرائس في تجربة رائدة يقود فائق عبد الجليل إلى طريق جديدة

ولم يقتصر على هذا فحسب بل إنه شارك بكتابة المسرحيات مع كبار المخرجين منهم المخرج الكبير سعد أردش والذي أخرج مسرحية رسائل إلى قاضي أشبيلية لألفريد فرج، حيث كتب لوحاتها الغنائية وقد تقلد منصب رئيس مجلس ادارة المسرح الي عام 1981 وكتب أيضا عدة أوبريتات منها الوطني والاجتماعي منها الأوبريت الشهير بساط الفقر الذي قام ببطولته الفنان عبد الحسين عبد الرضا، ومارس أيضا كتابة شعر الأطفال في فترة السبعينيات ونشر أغلب تلك القصائد في مجلة سعد وهي مجلة ية خاصة بالأطفال وكان فائق يعتبر كتاباته للطفل هي هروبه من حاضره إلى ماضيه الجميل.

وقد كتب عن فائق البروفيسور الفرنسي سيمون جارجي الأستاذ في كلية الآداب جامعة جنيف وهو الذي ذكر الشاعر بدر شاكر السياب وآخرين في دراساته وأبحاثه التشريقية، أرخ يقول عن فائق في صحيفة لوموند الفرنسية عام 1970,  التصميم على عدم الانسلاخ من الأرض القديمة التي تتلوى في عروقها جذور حنين الشعراء وعواطفهم المشبوبة، هو أشد بروزا وتحسسا لدى أصغر شعراء ال فائق عبد الجليل الذي لم يتجاوز الحادية والعشرين من العمر بعد واسمه الحقيقي: فائق محمد العياضي، والذي طبعت له وزارة الإرشاد والأنباء الية ديوانه المعروف بـوسمية وسنابل الطفولة فرفضه للحضارة المادية المجلوبة من الغرب رفض حاسم لا رجعة فيه، وهو يعبر عنه في قول يتمثل به ويستنه كذلك قاعدة لحياته: تبهرني صلابة الأبنية الجديدة... ولكنني أحب الصدق في كل جدار طيني قديم.

لم يعرف عنه الكثير سوى أنه شاعر له أغنيات مشهورة، حيث كانت حياته مغايرة تماما عما كتب عنه فهو الإنسان المثقف الراقي يمتلك لباقة في الحديث وحضورا مميزا وعلاقات اجتماعية واسعة والعاشق الذي كان في حالة حب دائمة والأب الحنون الذي كرس جل وقته بين أولاده وزوجته رفيقة دربه التي أخلص لها لآخر لحظات حياته، اشتهر في بداياته الفنية مع الفنان عبد المحسن المهنا في أغنية مع ريح الهوى مسافر وعدة أعمال مع فنانين آخرين لكن حدث نوع من التقارب في الحس والرؤية والثقافة مع عملاق الفن العربي محمد عبده فكان هو الأقرب انسجاما مع فائق فأتت أغنية إبعاد ثم نسيتني وفي الجو غيم حتى وهـم والمعازيم فعبروا بهذه الروائع إلى حدود الإقليمية فوصلت أغانيهم لإسرائيل، إذ أتى بأغنية إبعاد التي غنيت عام 1975 صديق له فلسطيني من الضفة، حيث تغنى بها مطرب إسرائيلي، وبرغم ذلك لم يكن يستهوي هذا العبور لأنه من الذين ارتبطت أعمالهم بمحاولة توحيد الصف العربي من خلال ديوانه الفصيح عام 1984 معجم الجراح الذي مارس فيه أحلامه المتمثلة في الوطن العربي الواحد، حيث كان فائق يؤمن بأن الشعر العامي في كثير من أجزاء الوطن العربي ممكن أن يكون كبيرا أو عملاقا لو تخلى عن جوازه الإقليمي، لذلك كانت بداياته هي الإمساك بغصن قريب من غصن الفصحى وفعلا كان ديوانه الأول هو المحاولة الواضحة التي تؤكد ان العامية لو ثقفت وهذبت وأعدت من الممكن أن تثبت للجميع.. انها الابن الشرعي للفصحى وأنها بفعل الشاعر تكون طفلا عاميا يصعد درجات العامية الراقية ليصل إلى قمة الفصحى المبسطة. واستطاع فائق أن يطلق قصيدته العامية الحديثة المتطورة المثقفة خارج سرب القصيدة الاستهلاكية بكل جدارة محققا بذلك المعادلة الصعبة.

الشاعر القتيل فائق عبد الجليل الذي أسرته قوات الاحتلال العراقي في الثالث من يناير عام 1991 كان يعتبر أشهر أسير ي لدى صدام حسين على مدى خمسة عشر عاما من الأسر وكانت تهمته بأنه الرأس المدبر للمجموعة التي تنتج وتنشر أغنيات قصيرة تحرض على الصمود والمقاومة والفعل ضد الغزاة وكان هو من قام بكتابة ثماني عشرة أغنية قصيرة انتشرت عبر الكاسيت، نظمت المجموعة نسخها وتوزيعها ودوت في أنحاء ال المحتلة. والملحن القتيل عبد الله الراشد هو من قام بتلحينها فقد تحولت تلك الأغنيات إلى سلاح قوي أثار خيفة السلطة المحتلة وقلقها فراحت تفتش السيارات وتداهم البيوت ولم يكن معروفا من الشاعر أو الملحن.

وبقى هذا الشيء خفياً عن عامة الناس حتى بعد تحرير ال وذلك رغبة من وزارة الاعلام الية خشية معرفة نظام صدام حسين وتأكيد التهمة على فائق ومن كان معه من المجموعة، ففي احدى قصائد الاحتلال وجه فائق رسالة لصدام حسين من خلال هذا المقطع البليغ الدلالة والاستشراف والمعنى: يا غازي الديرة ومتآمر.... أنا الثابت وأنت العابر! وبعد كل سنوات الغياب عن وطنه الذي اغترب عن ترابه تم العثور على رفاته مع مجموعة من الأسرى اليين في احدى المقابر الجماعية في العراق بمنطقة قريبة من كربلاء، حيث تم إعدامه برصاصة غادرة بالرأس ليتم دفنه في مقبرة الصليبيخات ليحتضنه تراب وطنه، في 20 يوليو 2006، في تشييع رسمي حضره النائب الأول لرئيس الوزراء الي ووزير الدفاع ووزير الداخلية وكبار الشخصيات وأهله وأصدقاؤه. فائق لم يكن شاعرا يمتلك إحساسا مرهفا ويجيد التعامل مع المفردة الشاعرية بالحياة وحسب، بل كان فنانا يعيش القلق والإبداع الدائم وهو من القلائل الذين ارتبط مصيرهم بإبداعاتهم بمزيج حب الأرض
.

عوده لرجال الكويت