توأم الروح سعد وإبراهيم النخيلان: أول من يطيع وآخر من يعصي

نموذجان بل نموذج ي واحد ولكن من شقَّين يبرز لنا معاني سامية وقيما رفيعة، هما: سعد وإبراهيم ابنا محمد سعد النخيلان، رحم الله الثلاثة.
يعتبر الأخوان سعد وإبراهيم توأماً روحيا تعاهدا أمام الله وأمام والديهما على ألا يفرقهما شيء سوى الموت، فكان حبهما وإخاؤهما غريبين من نوعهما، إذ لم تنجح أي محاولة للتفريق بينهما أو النيل منهما، فقد كان العهد الذي قطعاه على نفسيهما بمنزلة الدرع والحصن الواقي من كل أذى ومكروه. إنها قصة مختصرة لرجلين يقف أمامهما الزمن وقفة احترام وتقدير ليشير إليهما انهما الأخوان سعد وإبراهيم النخيلان.
والدهما هو المرحوم محمد سعد النخيلان، رحمه الله، ووالدتهما هي المرحومة حصة إبراهيم النخيلان، رحمها الله، وكان منشأهما في منطقة القبلة في مدينة ال فريج حي الساير.
فكان سعد من مواليد 1914م، وكان إبراهيم من مواليد 1916م.
جاءت أسرة الأخوين مهاجرة من نجد واستقرت في ال طلباً للعيش، وهم من أسرة عريقة منحدرة من حوطة بني تميم من المملكة العربية السعودية، كانت الأسرة على بساطة العيش حامدة شاكرة لله عز وجل، زاخرة بالسعادة والهناء، لكن القدر كان يخبئ الكثير من الآلالم، فلقد مرض الوالد بمرض شديد، وأصبح عاجزاً عن العمل والكسب لتلك الأسرة الصغيرة، وصارت الحياة صعبة، حيث كان الأبناء صغاراً، وهلعت الأسرة لتقدم كل ما تملك ولأعوام طويلة لقاء أمل في شفاء والدهم، لكن إرادة الله كانت أقوى فتوفي الأب، رحمه الله.
احترف الأخوان سعد وإبراهيم مهنة الغوص في سن مبكرة، فتولى النوخذة بن راشد تعليم الابن الأكبر سعد، واتخذه غيصا معه، أما إبراهيم، فكان سيبا لدى النوخذة محمد بن حقان. وكانا يتلقيان تعليمهما على يد الملا محمد بن مطر، رحمه الله، إذ لم يمنعهما العمل عن تلقي العلم، وبعد اكتشاف النفط اتجه الأخوان إلى مهنة التجارة، ومَنْ الله عليهما بالرزق الوفير والشهرة، وقد استخدما محلهما الكائن في بيتهما كمركز لتوزيع المواد الغذائية أثناء فترة الحرب العالمية الثانية. وكانا من أحسن التجار تعاملاً مع الناس، واشتهرت تجارتهما حتى لقب الشارع بـ عاير النخيلان، توسعت التجارة حتى أصبحا ملاكا لخمسة محلات تجارية في سوق الغربللي، وهي من أملاك المرحومين الشيخ عبدالله السالم الصباح، والشيخ أحمد الجابر الصباح من قبل.
ولم يلتحق أي من الأخوين بأي وظيفة حكومية رغم توافرها في ذلك الوقت بشكل كبير. وكانا يرفضان التسهيلات البنكية، ولا يقبلان بالفوائد الربوية، ولا يقومان بالتأمين على بضاعتهما، بل كانا راضيين بقضاء الله وقدره.
كان سعد الأخ الأكبر يتميز بالتزامه بتعاليم الدين الإسلامي، محباً لسماع رأي الغير، حريصا على مساعدة الآخرين، هادئ البال وسيع الصدر، عارفاً بتجويد القرآن محباً لتلاوته، وكان إبراهيم الأخ الأصغر يتميز بقوة الشخصية والرأي السديد، مثالاً للكرم وحب الخير للآخرين، يقصده الناس للاستشارة لخبرته الواسعة ونظرته الثاقبة لأمور الحياة، ومع هذا كانت تكمن في داخله ملامح نادرة تتجسد بالحب والحنان للبعيد والقريب.
تزوج سعد من كريمة إحدى الأسر الية، وهي المرحومة نورة عبدالمحسن البناي، وقد أنجبت له ثلاثة أولاد وبنتين، وبعد وفاتها رحمها الله تزوج من السيدة مزنة محمد المشوح، التي أنجبت له خمسة أولاد وسبع بنات، أما إبراهيم فقد تزوج من كريمة إحدى الأسر السعودية، وهي المرحومة حصة عبدالرحمن العقيلي، فأنجبت له ستة أولاد وأربع بنات.
تعاهد الأخوان على إعانة والدتهما على أداء فريضة الحج كل عام بالتناوب بينهما، واستمر هذا البر والعطاء والوفاء لأمهما حتى توفاها الله عام 1978م .
انتقل الاخوان سعد وابراهيم في عام 1962م الى مسكنيهما الجديدين بمنطقة الخالدية، ولم يتفارقا في السكن، فقد قاما بشراء قسيمتين متجاورتين وتم بناؤهما كبيتين متجاورين.
وعرف الناس ابناءهما كأنهم اخوة وليسا ابناء عم، فقد كانوا جميعهم يستخدما كلمة يبا ( أبي)للاثنين من دون استخدام كلمة (عمي).
رغم حرص الاخوين على المشاركة السياسية في الانتخابات التي جرت في حياتهما، ولكنهما لم تسبق لهما محاولة التأثير على ابنائهما او اقاربهما في الاختيار، رافضين كل اشكال التكتل التي كانت وما زالت تشهدها الانتخابات البرلمانية في ال والعالم، وكانا من اوائل الداعمين لانشطة المساجد وبنائها وتشهد كثير من المساجد اثر العطاء والدعم الكبير الذي قدمه الاخوان من برادات ماء وصيانة مستمرة وفرش وغيرها من لوازم المساجد، وفي عام 1962م لم يكن هناك مسجد في منطقة الخالدية، فقام الاخوان ببناء المسجد، وبعد ذلك قامت الحكومة بهدمه وبناء مسجد معاذ بن جبل في قطعة رقم 4 بالخالدية، وقد حرص الاخوان على الاعمال الخيرية بانواعها، فكان لوالديهما اعمال بطولية مع ابناء وطنهم في معركة الصريف، حيث استشهد جدهم والد امهم إبراهيم النخيلان. تجند الاخوان سعد وابراهيم في ازمة عبدالكريم قاسم، حيث كان اليون يرددون يا بو سالم عطنا سلاح، احنا نحارب وانت ارتاح وساهما في التبرع لمساعدة مصر اثناء العدوان الثلاثي عليها1956م  .
اما عن الاحتلال الصدامي، فقد كانا صامدين على ارض ال، فاتحين منزليهما الكائنين بالخالدية للاهل والاصدقاء طيلة فترة الحرب حتى التحرير، مرددين (اذا سلمت رؤوس الرجال من الاذى فما المال الا كقص الاظافر.(
كان الاخوان محبين للعلم والتعليم، وانتقل هذا الحب لابنائهما جميعا من دون تفريق بين ذكر او انثى، وكانا ايضا يقدمان الدعم المادي لطلبة العلم في ال وخارجها.
كان الاخوان يتمتعان بعزة نفس وعفة عالية وكان شعارهما دائما لنعط الفرصة للغير في العمل حيث لم يسبق لهما السعي وراء المكاسب الشخصية او المطالبة بمزايا او اي متاع للدنيا سواء من الدولة او من شخص معين، فقد كانا مثالا للمواطنين الملتزمين وبكل صرامة تجاه الدولة، زاهدين متعففين في المسألة عن حقوقهما، فقد اصبح من العرف الشائع تأجير القسائم من دون ترخيص رسمي حتى اليوم، لكنهما اصرا على عدم مخالفة القانون.
وقد كان الاخوان سعد وابراهيم اول من يطيع وآخر من يعصي، فعندما طلبت الحكومة اعادة تنظيم السوق، وطلبت اخلاء المحلات من الجميع كان الاخوان أول من أخليا في ظاهرة رائعة للالتزام على عكس ما نراه اليوم من تفلت واضح من القوانين والضوابط العامة. كان للاخوين اسلوب في التجارة يتسم بالتسامح والعطاء، فاتحين المجال للبيع بالأجل للناس من دون اي فوائد.
كان قلباهما متعلقين بالله راجيين ما عنده لا ما عند الناس، فكانا من اشد الناس ارتباطا بالمسجد، واكثرهما قربا للناس وحبا.
كان المرض اول الطريق لتباعد الاخوين، لكنها ارادة الله، فقد اصيب الاخ الاصغر ابراهيم بجلطة في الرأس نقل على اثرها للمستشفى الاميري في فبراير من عام 2000م، توفاه الله في يوليو 2000م، رحمه الله واسكنه فسيح جناته.
كانت الصدمة عنيفة على الاهل جميعا وعلى اخيه خصوصاً، فقد حزن حزنا شديدا، مما جعل حالته الصحية مع الوقت تتدهور وتسوء، فأصيب بجلطة بالرأس مماثلة لما اصيب به اخوه ونقل إلى المستشفى الاميري وخضع للعلاج، لكن ارادة الله كانت اقوى، فتوفي في نهاية يناير من عام 2001.

عوده لرجال ال