فاطمة محمد عبدالعزيز الميلم
(1943- 1993م)

المولد والنشأة:

هي فاطمة بنت محمد بن عبدالعزيز بن فهد الميلم، المولودة بمنطقة القبلة في مدينة ال في الثمن عشر من شهر صفر عام 1362هـ، الموافق للثالث والعشرين من فبراير عام 1943م
نشأت رحمها الله في كنف أسرة ية كريمة، محافظة على العادات والتقاليد كما هو الشأن في الأسر الية بصفة عامة فتشربت القيم الحميدة، وتربت على مائدة الأخلاق العربية والقيم الإسلامية الأصيلة، وعلى رأسها الجود والحياء والعفة وتقديس الحياة الزوجية، وغيرها من الأخلاق الفاضلة. وكان لها خمسة أشقاء وشقيقتان.
وقد نالت حظاً من التعليم مكنها من إجادة القراءة والكتابة، وكان هذا يعد مرحلة جيدة آنذاك، حيث لم يكن نطاق التعليم قد اتسع كما هو حادث الآن، لا سيما في وسط الفتيات.

صفاتها وأخلاقها:

كانت المحسنة فاطمة الميلم رحمها الله حسنة الأخلاق، هادئة الطباع، كريمة السجايا، قليلة الكلام، كثيرة الصمت، عفيفة اللسان، محبة لعمل الخير، ساعية في قضاء حوائج الناس. كما كانت رحمها الله زاهدة في ملذات الدنيا، حريصة على فعل الخير وبذل الصدقات، خاصة في السر، لا تحب المباهاة ولا المفاخرة، وقد عاشت في أهلها ووسط جيرانها في هدوء وسكينة لا تؤذي أحداً، ولا تسيء إلى أحد، حتى رحلت عن دنيانا بنفس القدر من الهدوء والسكينة، ولم يُسمع عنها غير ذلك.
ولم يكن غريباً أن تتشرب أخلاق المحسنة فاطمة الميلم هذه الصفات الكريمة، وهي الفتاة التي نشأت في وسط طيب كريم، وبيئة صالحة ومنبت أصيل، وقد اتسمت حياتها رحمها الله - بحب الخير والمسارعة إليه وكان لها من أوجه الإحسان الكثير.

حياتها الاجتماعية:

تزوجت المحسنة فاطمة الميلم من السيد شعيب إبراهيم العلي - رحمه الله - وكانت تتمنى أن ترزق بأولاد
يلبون عاطفة الأمومة الفطرية لديها، ولكن الله تعالى قدر غير ذلك . . لحكمة يعلمها سبحانه القائل في كتابه العزيز: "لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ(49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ(50)" سورة الشورى.
وما كان منها رحمها الله إلا أن رضيت بقدر ربها، واستسلمت لحكمه جل وعلا، إدراكاً منها لقوله سبحانه: "... إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)" سورة الزمر.

أوجه الإحسان في حياتها:

لم يقتصر الإحسان في بلدنا الحبيب ال على الرجال فحسب، بل شمل كذلك ولا يزال النساء وهن نصف المجتمع ومصانع الرجال. والله جل وعلا لا يضيع أجر المحسن ذكراً كان أم أنثى، قال تعالى:
"
فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ... (195)" سورة آل عمران.
ونموذج الإحسان الذي سنتحدث عنه في هذه الصفحات، إنما هو لامرأة كريمة ضربت في مجال الإحسان والبذل والعطاء بسهم وافر وعطاء زاخر. فكثيراً ما كانت المحسنة فاطمة الميلم تقرأ أو تسمع عن ثواب المحسنين وجزائهم العظيم، وما أعده الله تعالى لهم من واسع فضله وعظيم عطائه، قال تعالى "... إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)" سورة يوسف.
ومن هنا تطلعت نفسها شوقاً إلى ولوج هذا الباب العظيم، باب البِر والإحسان، لتكتب اسمها في هذا السجل المشرف.

بناء مسجد في البحرين:

كانت المحسنة فاطمة الميلم رحمها الله متطلعة طوال حياتها، إلى بناء بيت لله تعالى، يذكر فيه اسمه بالغدو والآصال، ويكون قربة لها عند ربها، ويجري لها ثوابه بعد موتها، لا سيما وقد داعب سمعها كثيراً حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا مِنْ مَالِهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" رواه ابن ماجه في سننه.
وقد تحقق لها هذا الأمل في حياتها، وقرت عينها وسعد قلبها برضا ربها جل وعلا عندما أمرت ببناء هذا المسجد في دولة البحرين الشقيقة "مملكة البحرين حالياً"، ولكن قضاء الله تعالى عاجلها قبل أن يتم البناء، فقام أوصياؤها بتحقيق رغبتها بعد وفاتها ومن حُرِّ مالها، داعين الله تعالى أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتها، وأن يجزيها عنه خير الجزاء يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.
ويقع المسجد في مدينة المحرق بمملكة البحرين الشقيقة، وقد تأسس في عام 1420هـ (1999م)، حيث تم الانتهاء من بنائه وتجهيزه بإشراف إخوانها، وتم افتتاحه في الرابع من شهر رجب عام 1421هـ الموافق للأول من أكتوبر عام 2000م.

المواصفات العامة للمسجد:

- المساحة الكلية للمسجد 250 متراً مربعاً.
-
يضم المسجد مصلى للنساء، بالإضافة لصحن المسجد الرئيس.
-
يبلغ ارتفاع المئذنة 20 متر تقريباً.

صالة الميلم للأفراح بالعديلية:

كانت فاطمة الميلم رحمها الله حريصة على أن يمتد عطاؤها ويتنوع أوجه بذلها وبِرها، وكانت تسعد بمشاركة الناس في أفراحهم، لذا فكرت في أن تساهم في عمل يخدم الناس بعد أن كثروا وزاد عددهم، وضاقت المنازل عن أفراحهم ومناسباتهم، فقامت رحمها الله بإنشاء صالة الميلم للأفراح والمناسبات الاجتماعية بمنطقة العديلية، حباً منها لفعل الخير، وتمني من الله تعالى أن يجعلها صدقة جارية لها رحمها الله وأن تكون ممن تحقق فيهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقْبَلُ الصَّدَقَاتِ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ أَوْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ. .."رواه البخاري.
وقد حرصت رحمها الله على أن يتم هذا العمل على أحسن وجه، مهما تكلف من نفقات، ومهما استغرق من وقت وجهد، ليكون صرحاً من صروح الخير، وعلامة مضيئة على أصالة معادن أهل ال رجالاً ونساءً، شيبة وشباباً.
وقد تم اختيار المكان وتجهيزه وبناءه من مالها الخاص، بعد أن اشترت الأرض وأمرت ببدء العمل فيها أثناء حياتها، ولكنها توفيت في عام 1993م رحمها الله - قبل أن تشاهد البدء في البناء هذا العمل الطيب المبارك عام 1994م، الذي أكمله إخوانها، وقد تم بحمد الله تعالى افتتاح هذه الصالة عام 1996م.
وما زالت هذه الصالة قائمة حتى الآن، تتوارد عليها الأجيال، وتتذاكر بذل هذه السيدة الكريمة وعطاءها، وبِرها وسخاءها، وتحقق لها طموحها بأن تنال هي وإخوانها وكل من ساهم بجهده ووقته في العمل الأجر الكبير والثواب الجزيل الذي عناه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في قوله: إِذَا تَصَدَّقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا كَانَ لَهَا أَجْرٌ وَلِلزَّوْجِ مِثْلُ ذَلِكَ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ وَلا يَنْقُصُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَجْرِ صَاحِبِهِ شَيْئًا لِلزَّوْجِ بِمَا كَسَبَ وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ" أخرجه النسائي.
وتبلغ مساحة الصالة 1555 متراً مربعاً، وهي صالة كبيرة معدة للاستقبال وبها صالة للطعام ومطبخ رئيس ومكاتب لإدارة الصالة والخدمات أخرى.

ديوان العزاء:

استكمالاً لنهج الخير الذي سلكته المحسنة فاطمة الميلم رحمها الله والذي ركز على خدمة الناس ومشاركتهم في مناسباتهم الاجتماعية والتعاون معهم قدر إمكانها عملاً بالحديث النبوي الشريف الذي رواه النّعْمَان بْن بَشِيرٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَليهِ وَسَلّم: "تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" رواه البخاري.
ولذا فقد قامت ببناء قاعة للعزاء في منطقة العديلية أيضاً بالقرب من صالة الميلم، حيث قام بهذا العمل اخوتها على نفقتها بعد وفاتها، وتم افتتاح تلك القاعة في عام 2001م، وما زالت تؤدي خدماتها للمواطنين الراغبين في ذلك. نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتها
بدأ العمل في القاعة سنة 1421هـ (2000م)، وتم الانتهاء منها وافتتاحها سنة 1422هـ (2001م)، وتبلغ مساحتها 700 متراً مربعاً، وهي تشمل ديوان رئيس للاستقبال وخدمات أخرى.

وفاتها:

كانت المحسنة فاطمة الميلم تتمنى لو تطول بها الحياة ويمتد بها العمر، ليس حباً في الدنيا وهي الراغبة عن متعتها وملذاتها، الزاهدة فيها، الساعية لرضا الله تعالى بل للإكثار من فعل الخيرات، والازدياد في الباقيات الصالحات، فها هي حتى وفاتها تلح على إنجاز المسجد والصالة بأسرع ما يكون، أملاً منها في أن تراهما قبل موتها، إلا أن أجل الله تعالى وافاها فرحلت إلى بارئها جل وعلا بنفس الهدوء والسكينة اللتين عاشت بهما بين الناس.
وفي 14 صفر عام 1414هـ الموافق للثاني من أغسطس عام 1993م، رحلت عن عالم الحياة الفانية إلى الحياة الباقية، ولم تكن قد جاوزت الخمسين إلا ببضعة أشهر.
جزى الله المحسنة فاطمة الميلم خير الجزاء على ما قدمت، وجعل أعمالها في ميزان حسناتها، وأعقبها في أهلها خيراً، وألحقها بمن سبقها من عباده المؤمنين الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.

 

عوده لرجال ال