من مسيرة التعليم في ال 1952م ـ 1953م


مسيرة التعليم في ال من أهم الدلائل على رغبة الشعب الي في التقدم والرقي، ذلك لأنه علم أنه لن يصل إليهما إلا إذا حصل أفراده على تعليم راق مفيد. بدأ النشاط التعليمي أهليا فرديا، ثم صار أهليا جماعيا، ثم آلت كل أعمال التعليم إلى حكومة ال.
لقد كان أهليا فرديا أيام كان المدرسون من الأهالي يتولون التدريس في الكتاتيب الخاصة بهم يفتتحونها على جزء من منازلهم فيستقبلون الطلاب، ويقومون بتدريسهم وفق نظام متفق عليه، وفي سنة 1912م بدأ التعليم الأهلي الجماعي عندما تأسست المدرسة المباركية التي اجتمع عدد من أبناء البلاد لكي يتفقوا ويتعاونوا على إنشائها في قصة وردت في كتب تاريخ ال وذكرناها مرارا في مقالات الأزمنة والأمكنة وقد شابهتها في ذلك المدرسة الأحمدية التي تم إنشاؤها في سنة 1921م، وبعض المدارس الأخرى الصغيرة التي لم تعمر كثيراً، وفي سنة 1936م بدأ التعليم الي في اتجاه جديد بإنشاء مجلس المعارف ودائرة معارف ال التي احتضنت التعليم منذ تلك السنة.

لقد كانت مسيرة التعليم في ال ملحمة بمعنى الكلمة وكانت الجهود التي بذلت فيه من أكبر ما بذل في مشروعات البلاد الأخرى، ويتضح ذلك جليا في المجلدات الستة الكبيرة التي أصدرتها اللجنة العليا المتخصصة بتاريخ التعليم في ال، فجاءت دراستها التوثيقية هذه مستوعبة لكل ما يحتاجه المرء للإطلاع على هذه المسيرة الكريمة. أصدر هذه المجلدات مركز البحوث والدراسات الية تحت اسم: (تاريخ التعليم في دولة ال) بدعم مادي من مؤسسة ال للتقدم العلمي.


دأبت دائرة معارف ال على إصدار تقارير سنوية عن نشاطها في مجال المسؤوليات الملقاة على عاتقها ولم تتخلف عن ذلك حتى بعد أن تحولت هذه الدائرة إلى وزارة تحت اسم: وزارة التربية.

وهذه المجموعة الضخمة من التقارير المطبوعة المجتمعة منذ أن بدأت دائرة معارف ال بإصدار أول تقرير منها, تعتبر كنزا من الكنوز التاريخية يعتمد عليه في معرفة تاريخ ال العام وفي معرفة تاريخ التعليم هنا بصفة خاصة.
كانت دائرة معارف ال أول دائرة في الوطن تنشئ لها جهازا خاصا للإحصاء، وكان هذا القسم هو ركيزة التخطيط الذي سارت عليه فيما بعد، فقد كان هذا القسم يزود المختصين بالبيانات العامة عن أعداد الطلاب والطالبات ويستخلص منها الأعداد المتوقعة للسنوات القادمة حتى يقدم للمسؤولين في الدائرة ما يمثل احتياجاتها من المدرسين والمدرسات والمدارس لمقابلة التدفق في أعداد المقبلين والمقبلات على الدراسة، ولم تكن اللجان المعنية تعمل بلا رجوع إلى الاحصائيات التي يعدها هذا القسم الذي اكتسب خبرات جديدة على مدى الزمان، وأذكر أن ما يقدم من بيانات يفيد في حل كثير من المشكلات التي قد تعترض العملية التعليمية بما في ذلك سد النواقص في الاحتياج إلى المدارس والمدرسين والكتب المدرسية وغير ذلك.

لذا فإن هذا التقرير الذي نعرضه الآن هو جزء من عمل هذا القسم، ولكنه أعده بالتعاون مع جهات أخرى منها قسم الرياضيات والاجتماعيات والعلوم حتى أتى متناسقا مع الواقع الذي مر بالدائرة خلال سنة دراسية كاملة.


أصدرت المعارف (كما كانت تسمى اختصاراً) تقريرها السنوي عن السنة الدراسية 1952 ـ 1953م، وطبعته مطبعة حكومة ال كما هو واضح على غلاف التقرير، وابتدأته بمقدمة تفصيلية عن جغرافية وتاريخ ال، واستغرق ذلك خمس صفحات من التقرير، ولكن ما كتب عن تاريخ البلاد ينقصه الكثير بسبب توافر وثائق لم يكن أولئك الذين كتبوا التقرير قد اطلعوا عليها، ولا داعي هنا لذكر بعض النواقص في العرض التاريخي المذكور فإن من السهل الآن الرجوع إلى ما كتب من كتب تناولت تاريخ ال وصدرت في السنوات الأخيرة. ولاننسى أن نذكر أن الجهة التي أعدت هذا الجزء من التقرير معذورة فقد اعتمدت على مابين يديها من مراجع، ولاننسى أن نذكر ـ أيضا ـ أن البحث في تاريخ ال بقي لفترة طويلة غير كاف، وما كتب منه لم يكن يتناول الكثير مما ينبغي أن يقال، وهذا يختلف عن الوضع الحالي بعد توافر عدد من الباحثين، وصدور أعداد من الكتب بعضها مفيد جدا في تغطية الحاجة الحقيقية إلى معرفة تاريخ ال، وإن كان الأمل قويا في الحصول على المزيد من المعلومات في هذا المجال.

يهمني أن أشير هنا إلى فقرة جاءت في نهاية هذا الجزء من التقرير، تحدثت عن أهل ال بصورة عامة فجاء فيها مايلي:
(وهم متضامنون كأنهم أبناء أسرة واحدة، تسودهم الألفة، ولا تفرق بينهم الثروة، ولا تجد فارقا بين أميرهم وصغيرهم، إذا أفلس تاجرهم جمعوا له المال حتى يعود إلى عمله أو تجارته، وإذا غرقت سفينة ملاح ساعدوه على بناء سفينة غيرها..) وهكذا مضى الحديث عن هذه الطباع الطيبة التي جبل عليها أبناء البلاد، وهي أخلاق وعادات كم نتمنى أن تستمر فيهم، لأن تلك هي أساس الوفاق بين الجميع.

 وهي التي حفظت المجتمع الي من التفكك طوال السنوات الماضية، وبها شاعت المحبة، وعمت وشائج القربى بين الأهالي حتى صاروا كما جاء في النبذة التي قدمناها هنا: كأنهم أبناء أسرة واحدة.


يكاد الفصل التالي من التقرير أن يكون منذ بدايته تأكيدا لما ورد فيما سبقه، ولكن بإيجاز شديد حتى يتمكن من استئناف الحديث في هذا الفصل وهو فصل عنوانه المعارف في ال لقد تحدث هنا عن أثر البحر في نفوس الأهالي، وعن أثر البادية في نفوسهم، ففي كلا المجالين وجدناهم يتأثرون تأثرا بارزا يأتي مردوده لصالح علاقاتهم الطيبة ببعض مضيفا إلى أن هناك أعمالا أخرى كان لها دورها في إنماء الشخصية الية، وتحويلها إلى شخصية فاعلة ومتآلفة في الوقت نفسه، يقول: ومن الأعمال الأخرى التي هذبت شبابهم، وثبتت فيهم روح الجماعة والتضامن الاجتماعي محافظتهم على نظام الأسرة، والاشتراك في صلاة الجماعة وحضور المجالس، وبذلك صاروا كتلة واحدة ظهر فضلها في تعاونهم جميعا على بناء سور بلادهم.. وهكذا.

بعد ذلك جاء دور التفصيل المتعلق بعمل المعارف: في شأن إعداد المدارس التي جاء في التقرير المشار إليه أن عددها كان في السنة الدراسية 1936م ـ1937م كان أربع مدارس للبنين، وكان عدد طلابها ستمائة طالب وعدد مدرسيها ستة وعشرين مدرسا.

ولكن هذه الأعداد في السنة التي يتحدث عنها التقرير قفزت قفزة كبيرة بحيث صار عدد مدارس البنين خمسا وعشرين مدرسة منها مدرسة ثانوية ومعهد ديني ومدرسة للمعلمين ومدرسة تجارية، وكان عدد الطلاب سبعة آلاف ومائة وثمانية وثمانين طالبا، اما عدد المدرسين فكان ثلاثمائة وأربعة وتسعين مدرسا وفي السنة الدراسية التي يتحدث عنها التقرير وهي 1952م ـ1953م صار عدد مدارس البنات خمس عشرة مدرسة عدد طالباتها ثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين طالبة وعدد معلماتها مائة وسبعين مدرسة، ولم تكن اي من هذه المدارس قد افتتحت في الفترة الأولى التي تحدثنا عنها آنفا.

وقفزت ميزانية المعارف من خمسة ملايين ربية في السنة الدراسية 1949م ـ1950م الى اثنين واربعين مليون ربية في السنة الدراسية 1952م ـ 1953م، وهي السنة التي صدر عنها التقرير المذكور علما بأن الربية كانت في ذلك الوقت بمقدار خمسة وسبعين فلسا.


أورد التقرير بعد ذلك بيانا عن الهيئة الإدارية لدائرة المعارف، وقال: إن مجلس المعارف برئاسة الشيخ عبدالله الجابر الصباح هو المشرف على جميع شؤون هذه الدائرة، وإن المجلس يتكون من اثني عشر عضوا، يجتمع مرة واحدة كل أسبوع إلا إذا اقتضت بعض الأعمال مزيدا من الاجتماعات، وهو المسؤول الأول عن توجيه سياسة المعارف والإشراف عليها ومراقبتها، وتقرير ميزانيتها، وفتح المدارس الجديدة، وايفاد البعثات للدراسة في خارج ال. ويتولى الإدارة مديران احدهما مالي إداري يشرف على صرف الأموال المخصصة للدائرة ويتولى تزويد المدارس بما تحتاج إليه من معدات ولوازم وأثاث وكتب مدرسية وقرطاسية، وهو المسؤول عن بناء المدارس، وعن تغذية الطلاب وتوزيع الملابس عليهم، والإشراف على كل ما يرتبط بالمدارس والمدرسين من احتياجات.

وأما المدير الثاني فيتولى المسائل الفنية المتعلقة بالتدريس، وهو المسؤول عن المناهج وإعداد المعلمين وقيادة مهنة التعليم التي تتولاها دائرة المعارف، وله مساعد ومعه عدد من الموجهين الفنيين بحسب المواد الدراسية.
هذا وقد تم اندماج الوظيفتين في وظيفة واحدة فيما بعد، وأصبح مدير المعارف مسؤولا عن كافة أعمال الدائرة إدارية مالية كانت أم فنية.


كانت استعدادات إدارة معارف ال كبيرة لمواجهة الاقبال الكبير على المدارس، وكانت تعد خططا لفتح مجال طلب العلم أمام جميع أبناء البلاد، وكانت الزيادة في افتتاح المدارس مستمرة سنة بعد اخرى، وفي فترة إعداد التقرير كان العمل في انشاء الكلية الصناعية والمطبخ المركزي قد بدأ في الانتقال من مرحلة المخططات الورقية إلى مرحلة الواقع تدريجيا. ووصف المطبخ المركزي بأنه سوف يقوم بتحضير وجبات الطعام والشرائح بطريقة صحية ثم ينقل كل ما يحتاج إليه الطلبة في أوعية خاصة نظيفة تحمل في السيارات وتوزع على المدارس.

وفي هذا الوقت ـأيضاـ تم انجاز القسم الأكبر من مدرسة الشويخ الثانوية التي صارت بعد إتمام بنائها تحفة معمارية فخمة تلفت الانظار بمبانيها وساحاتها وملاعبها وحدائقها وباقي الاحتياجات المدرسية الاخرى من فصول دراسية ومساكن للطلاب الذين يعيشون في القسم الداخلي منها، ومسرح كبير، ومطعم يتسع لكافة الطلاب وأندية للمدرسين والطلاب ولا تزال آثارها بارزة إلى العيان حتى الان، وازدادت فخامة بعد أن قامت جامعة ال باستغلالها وزيادة مبانيها وتحسين طرقها وحدائقها.


كانت مراحل التعليم في المدارس ـ آنذاك ـ مختلفة عن مراحله في الوقت الحاضر,إذ كان هناك ما يسمى البستان ومدته سنتان يقبل الطفل الصغير ويعده للدراسة دون أن تكون هذه المدة محسوبة من السلم التعليمي إذ هي سابقة على البدء به، وأنا من بقايا هذا النظام فقد كنت ضمن أطفال بستان المدرسة الأحمدية, وكان السلم المعمول به يتكون من الروضة ومدتها ثلاث سنوات، ثم الابتدائية ومدتها أربع سنوات تنتهي بامتحان عام تحت إشراف الدائرة يحصل الناجحون فيه على شهادة إتمام الدراسة الابتدائية التي تتيح للناجحين دخول المدرسة الثانوية ومدتها خمس سنوات.

 ومنذ ذلك الوقت كانت دائرة معارف ال تعد للتغيير في السلم التعليمي فأنشأت نتيجة لذلك رياض الأطفال المعروفة لدينا الآن ومدتها سنتان تسبقان سنوات الدراسة ثم المرحلة الإبتدائية ومدتها أربع سنوات والمرحلة المتوسطة كذلك والمرحلة الثانوية مثلها. ولا ننسى أنه جرى تغيير في المسميات مؤخرا لكن المدة الدراسية بقيت كما هي دون زيادة أو نقصان.

هذا بالإضافة إلى الاهتمام بإرسال البعثات للدراسة الجامعية في الخارج، وفي ذلك الوقت كان عدد الطلاب اليين الجامعيين في مصر 32 طالبا وفي انجلترا 20 طالبا وفي لبنان طالبا واحدا وفي أمريكا طالبين.
ولم ينس التقرير أن يشير إلى العناية الصحية الكبيرة بكافة الطلاب والطالبات عن طريق الصحة المدرسية. التي بدأت في السنوات الأخيرة بسحب كل الممرضين والممرضات من المدارس مما أدى إلى حدوث إشكالات صحية كبيرة، ونأمل في تلافي هذا النقص الشنيع في الاشراف الطبي على أولادنا وبناتنا حماية للجميع من الحوادث المفاجئة.


بعد استعراض هذا التقرير، وبعد أن حصلنا منه على صورة واضحة لأحوال التعليم في البلاد خلال السنة الدراسية 1952م ـ 1953م. نود عرض بعض الملاحظات الإضافية المستمدة من مصادر أخرى.

 -1 في سنة 1952م زارت ال بعثة مكونة من رجلين من رجال التربية في مصر هما (محمد علي رضا وحافظ احمد حمدي)، وكان مجيؤهما لدراسة تنظيم العلاقات التربوية بين ال ومصر في ذلك الوقت. وقد زارا مدارسنا واعدا تقريرا جيدا ألحقاه بمجموعة من التوصيات المهمة، التي نلاحظ أن دائرة معارف ال لم تهملها بل أخذت بها.

ـ2 في اليوم الثامن عشر من شهر مارس لسنة 1952م صدر نظام سمي: قانون بعثة ال في انجلترا، وقد وضعه شخص يدعى مستر كمب، تناول فيه كل ما يمكن أن يسهل أمور دراسة أبناء ال هناك.

ـ3 كان مدير المعارف حتى شهر أغسطس لسنة 1952م هو الأستاذ درويش المقدادي، ولكن مجلس المعارف قرر أن يكون المدير هو الأستاذ عبدالعزيز حسين، وأن يكون الأستاذ درويش مساعدا له.

ـ4 في شهر يونيو لسنة 1952م اعترفت وزارة التربية والتعليم المصرية بالشهادة الثانوية الية على مرحلتين ففي هذه السنة اعترفت بما كان يطلق عليه شهادة الثقافة، وسوف يتم الاعتراف بالشهادة التوجيهية في السنة اللاحقة, علما بأن شهادة الثقافة تسبق التوجيهية بسنة دراسية واحدة.

عوده لتاريخ الكويت