النوخذة محمد جاسم الشميس

من الجيل الأخير من نواخذة السفر والقطاعة اليين ، وهو من أشجعهم وأكثرهم جرأة وحبًا للمغامرة . يكفي أن النوخذة "علي النجدي" أظهر إعجابه مرة كيف أن أهل البحر يأتون دائمًا على ذكر النوخذة محمد الشميس مع أن هناك العديد من النواخذة الذين لايقلون عنه جرأة وشجاعة . ولعل السبب هو أن النوخذة محمد مر بالكثير من الخبرات التي أظهر فيها أن هذه الصفه لم تأته عبثًا ، فخلال حياته البحرية المليئة بالمغامرات والمخاطر ، وبخاصة في سنوات نقل الذهب من الهند وإليها ، أثبت النوخذة محمد أنه إبن ال الشجاع أسوة بما كان عليه غيره من نواخذة ال .

 

ولادته : ولد النوخذة محمد في ال في منزلهم في احي القبلي بالقرب من مسجد الساير ، وأرسله والده لكي يتعلم مبادئ القراءة والكتابة والقرآن الكريم . فدخل مدرسة العنجري وكانت في " فريج العدساني " ، كما أنه ذهب إلى عمه في دبي ودرس هناك عددًا من السنين .

 

عملة في البحر : ولما قارب عمره 15عامًا بدأت حياته مع البحر ، فركب مع جار له في سفينة صغيرة للغوص على اللؤلؤ ، ثم مع النوخذة حمود الجسار في "شوعي" للغوص ، ودام ذلك أربع سنوات متصلة ، لكنه لم يستمر في رحلات الغوص ، فهو لم يخلق للغوص كما ظهر له ، فتطلع إلى ركوب سفن النقل أو السفر الشراعي ، فركب مع النوخذة راشد بن سلامة في سفينة للقطاعة داخل الخليج لمدة سنتين ، وكان عمره حوالي 27عامًا ، ثم ركب مع النوخذة مبارك بن ناصر ، ثم مع النوخذة عبدالحميد العبدالجادر ، وكان يتعلم أصول الملاحة والسفر خلال هذه الرحلات . يقول النوخذة محمد إنه تعلم التنوخذ "بالعفرته" ولم يعلمه أحد ، لقد أخذها شطارة وشوقًا . ولما تم ذلك إشترى سفينة صغيرة من نوع البوم وقادها داخل الخليج وخارجه . ثم إشترى بعد ذلك سفينة ( له نصفها فقط ) وكانت عبارة عن بوم غوص (زادوه) فأصبح بوم قطاع ، سافر فيه إلى كراتشي والبحرين ودبي للقطاعه لمدة ثلاث سنوات . لكن هذه السفينة غرقت وتحطمت على الساحل بالقرب من خور دبي ، وقد روى النوخذة محمد أحداثها كما يلي :

 

كنا نحمل الرز والشاي وكان ذلك عام 1944م ، وبينما نحن بالقرب من ساحل دبي هبت علينا رياح قوية )ضربة العجوز) فدخل الماء جوف السفينة وتبلل الرز والشاي ، وحاولنا إنقاذ الحموله ، فنشرنا الشاي على الساحل (ساحل الشارقه) بالقرب من منزل القنصل البريطاني هناك ، وكان قنصل بريطانيا في الشارقه آنذاك السيد عبدالرزاق رزوقي (ي) وقد جاء يستفسر عن شحنة الشاي ومن أين أتت نظرًا لأن البحرية البريطانية كانت تقنن شحنات الشاي في الهند والخليج ، فأخبرناه بأننا قد إشتريناه ونود أن ننقله إلى ال ، لكن الظروف لم تخدمنا ، وإضطررت أخيرًا للسفر إلى ال بالباخرة ، وهناك ركبت في بوم التاجر فهد الفليج وإخوانه ، وكان في الأصل سفينة للغوص حولت إلى سفينة للقطاعة وباعها أصحابها ( إعيال المباركي ) بمبلغ 25ألف روبية ، فعزمت على السفر إلى البحرين وحملت أكياس الرز ولكن الماء دخل السفينة قبل أن نغادر ال ، فقام أهل ال (بفزعة( أنقذوا فيها السفينة وحمولتها. وقد إشترك في هذه العملية معظم من كان في السوق من نواخذة وبحارة . ثم أبحرت إلى البحرين والقطيف ، وكان ذلك عام 1946م .

 

وفي عام 1948م كان النوخذة محمد في كراتشي ينتظر "غيوب الثريا" فأرسل في طلبه التاجر يوسف المرزوق ، وطلب منه أن بنقل له بضاعة من الرز إلى ال ، ولما أخبره النوخذة محمد أن الوقت متأخر (آخر الموسم) قال له يوسف المرزوق ((إنك شجاع)) فقبل ، ونقل حوالي 1000 كيس من الرز إلى ال، ولكن هذه الرحلة لم تكن بالرحلة السهلة فقد هبت عليهم عاصفه بالقرب من خور فكان (داخل الخيلج) وتبلل جزء من الحمولة ، لكن البحاره نشروه على الساحل حتى جف ثم عادوه إلى الأكياس وحملوه إلى ال .

 

ثم صنع الأستاذ محمد حسين بوعليان سفينتين بتصميم جديد للتاجر يوسف الفليج حيث كانت مقدمة كل واحدة منهما مدببة ومؤخرتها مستديره ، وفي كل سفينة محرك بخاري بالإضافة إلى الشراع "العود" وكانت حمولة كل سفينة حوالي 1200  من التمر . فعمل النوخذة محمد قبطانًا في واحدة منهما بينما تسلم قيادة الأخرى النوخذة محمود تيفوني . وكان عمل النوخذة محمد الشميس في هذه السفينة ناجحًا وإستمر خمس سنوات متصلة .

 

وفي عام 1955م أصبح النوخذة محمد وكيلاً للتاجر يوسف الفليج في الهند ، فكان يمضي شهورًا طويلة هناك في فندق " بيتش هوتيل " في كاليكوت ، مع النوخذة محمد العصفور والنوخذة علي النجدي والتاجر عبدالرحمن البدر حيث كان يشحن السفن بالأخشاب لبيعها في ال ، كما كان يدير أعمال التاجر يوسف المرزوق هناك . وبعد سنوات (حتى عام 1959م) إستقر النوخذة محمد في ال وأخذ يمارس تجارته كمستورد للأخشاب ، وكان دائم الإتصال بأصدقائه من النواخذة والأساذية .

 

يقول النوخذة محمد "البحر مايعن علي الآن ، لأني صادفت الأهوال والكثير من التعب ...لقد إشتريت آخر الأيام يختًا صغيرًا ولكنني لم أركبه إلا القليل من المرات ...
لقد مللت منه ومن البحر" .

 

وفاته : وفي 27 من شهر مايو 2002م نوفي النوخذة محمد الشميس في منزله في ال بعد أن شعر بألم في صدره ودفن في مقبرة الصليبيخات ، وكان عمره 82 عام . اللهم إرحمه وإرحم جميع موتى المسلمين.

 عوده لرجال ال