العم يوسف الحجي

 إمام الخير بال

 

ولد يوسف جاسم الحجي في ال عام 1341هـ 1923م، لوالد كان مريدًا لعدد من علماء ال مثل الشيخ عبد الله خلف الديحان والشيخ محمد الفارسي والشيخ عبد الوهاب الفارس وغيرهم؛ فرافق والده إلى مجالس هؤلاء العلماء، ودروس العلم بالمساجد، وبعد وفاة والده استمر على هذا النهج، وحرص على حضور الدروس والمواعظ الدينية، كل هذا كان له أكبر الأثر في تكوين شخصيته وتحديد توجهه.
درس في المدرسة المباركية، ثم مدرسة عثمان عبد اللطيف العثمان وإخوانه خلال الفترة من 1927 1933، وتعلم اللغة الإنجليزية بمدرسة هاشم البدر حتى نهاية عام 1938، وبعد تخرجه عمل فى المملكة العربية السعودية عام 1938 بوظيفة كاتب دوام، ثم تزوج عام 1941، وعاد إلى ال عام 1942 ليعمل بالأعمال الحرة لمدة سنة واحدة.
العم يوسف ورحلة الخير
عُيِّن في وزارة الصحة مسؤولا عن مخازن الأدوية فى عام 1944، وتدرج فيها حتى صار وكيلا لوزارة الصحة العامة. وفي عام 1976 اختير وزيرًا للأوقاف والشؤون الإسلامية وظل بها حتى عام 1981، ترأس جمعيتي الإصلاح الاجتماعي وجمعية عبد الله النوري الإسلامية، وعرف طيلة سنوات حياته بالقبول لدى كل التيارات الإسلامية في ال على مختلف فصائلها.
رشحته سمعته الطيبة وجهوده الخيرية لأن يحظى بموقع المسؤولية وعضوية العديد من مجالس إدارات العديد من المنظمات الخيرية والجامعات الإسلامية والبنوك والهيئات الطوعية، مثل جمعية الهلال الأحمر الية، وجامعات أوغندا والنيجر وإسلام آباد، وبنك دبي الإسلامي والمجلس الأعلى للمساجد فى رابطة العالم الإسلامي، والمجلس الأعلى للدعوة والإغاثة، ورابطة العالم الإسلامي، وغيرها...
وقد عرف عن الحجي أنه لا يتأخر عن دعوة يتلقاها من هذه المنظمات أو تلك للمشاركة في مناقشة هموم الأمة والتحديات التي تواجهها، كما أن بضاعته لا تقتصر على الكلام؛ فهو دائمًا يمتلك أجندة عملية، ربما مبعث ذلك طبيعته الخيرة وكونه يمتلك قرار مؤسستين خيريتين هما الهيئة واللجنة المشتركة أو لقبوله لدى الأوساط الرسمية والشعبية وسائر الجمعيات الخيرية في ال.
ترأس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية التي أسست في ال عام 1404هـ 1984م، واختير بالإجماع رئيسًا لمجلس إدارتها منذ التأسيس حتى الآن، وهي تُعَد من كبرى الهيئات الخيرية فى العالم الإسلامي، وأمام كثرة اللجان والمؤسسات الخيرية وتنوعها في ال دعت الحاجة إلى تأسيس لجنة للتنسيق بين جهود هذه اللجان في ظل نظام أساسي أعد لها؛ فكانت اللجنة الية المشتركة للإغاثة التي أسست بتاريخ 19 سبتمبر 1987، واختير الحجي رئيسًا لها بإجماع رموز ال في الحقل الخيري.
القرضاوي أول الداعين للهيئة

الشيخ يوسف يتوسط اجتماع الجمعية العامة للهيئة الخيرية الاسلامية

وعَبْر جهود رئيسها احتلت الهيئة الخيرية مكانة متميزة في ال على المستويين الحكومي والشعبي، وهي عالمية التأسيس والإنفاق والتمويل؛ ولهذا تلقى الدعم المتواصل محليًّا وعربيًّا وإسلاميًّا، وفي هذا الصدد يقول الحجي: لقد احتضنت نخبة من مفكري وعلماء الأمة فكرة إنشاء هيئة خيرية عالمية بعد أن نادى الدكتور يوسف القرضاوي في مؤتمر للمصارف الإسلامية عقد على أرض ال بضرورة جمع مبلغ مليار دولار لدعم المسلمين ضد ثالوث الخطر: الفقر والجهل والمرض، من خلال هذه الهيئة، ردًّا على جمع النصارى للمبلغ نفسه في مؤتمر كلورادو الشهير للإنفاق على الأنشطة التنصيرية، ومن خصوصيتها أنها المؤسسة الخيرية الوحيدة في ال التي صدر بشأن تأسيسها مرسوم أميري (حمل رقم 64 1986(.
وتقوم فكرة الهيئة على جمع التبرعات واستثمارها والإنفاق على المسلمين من عائد الاستثمار، ومنذ إنشائها بدأ نشاطها كما ينص نظامها الأساسي في مساعدة الفقراء ومحاربة الجهل المستشري بين كثير من أبناء المسلمين في العالم، والسعي إلى التخفيف عمن يتعرضون إلى النكبات الطارئة والكوارث المفاجئة، وتضم الهيئة عددًا من اللجان مثل لجنة "مسلمي آسيا" ولجنة "فلسطين الخيرية" ولجنة "ساعد أخاك المسلم ذات النشاط النسائي، ولجنة "الشروق" التي تعنى بالشباب وطلاب العلم، وتلك اللجان تعمل في العديد من الدول الإسلامية مثل بنجلاديش والصومال والسودان ولبنان وفلسطين والهند ودول أفريقية وأوروبية كثيرة، ولها آلاف المشاريع الخيرية المتنوعة التي تديرها.
واللافت للنظر أن الهيئة حققت طفرة نوعية في مجال العمل الخيري المؤسسي التنموي، مدركة لطبيعة الواقع والصعوبات التي تواجه الدول الإسلامية الفقيرة، وقد غطت مشاريعها في المسار التنموي العالم الإسلامي وأماكن تواجد الأقليات المسلمة؛ فقد دشنت مئات المساجد والمراكز الإسلامية والآبار والمدارس والمشاريع الصحية المتنوعة، والمراكز المهنية والتعليمية، ومراكز تحفيظ القرآن، ودور رعاية الأيتام، وكفالة المدرسين والدعاة وأساتذة الجامعات.
واستطاع الشيخ الحجي ربط الهيئة مع عدة منظمات تابعة للأمم المتحدة مثل اليونسكو والصندوق الدولي للتنمية الزراعية ومنظمة الأغذية والزراعة ومنظمة العمل الدولية ومنظمة الصحة العالمية لقطاع المجتمع المدني واتحاد المنظمات الأهلية العربية والهلال الأحمر والصليب الأحمر والمفوضية العليا للشؤون اللاجئين، وحصلت الهيئة بفضل جهوده وسياسته المدروسة على عضوية في منظمة الأمم المتحدة، هذا فضلا عن تنسيقها مع العديد من المنظمات الإقليمية مثل الأسيسكو، والمجلس الإسلامي للدعوة والإغاثة، وهو مثال للرجل المتطور غير التقليدي؛ حيث يعشق روح الإبداع والتطوير، والحرص على متابعة العمل الخيري على المستوى العالمي؛ ولذلك لم يكن غريبًا أن ينشأ بالهيئة مركزًا للدراسات والأبحاث الخيرية لرصد، ومتابعة كل جديد على ساحة العمل الخيري الذي أصبح له مدارسه وفنونه وأساليبه الخاصة.
إغاثة المنكوبين
وجاء تشكيل اللجنة الية المشتركة للإغاثة برئاسة الحجي على إثر رغبة من بيت الزكاة الي بعد الفيضانات العارمة التي ضربت بنجلاديش فى أواخر الثمانينيات، وأسفرت عن تشريد أكثر من 30 مليون مسلم، وتدمير محاصيلهم الزراعية ومئات الآلاف من المساكن، وانتشار الأمراض والأوبئة والمجاعات التي كان طبيعيًّا أن ينتج عنها آلاف الوفيات؛ ولهذا تنادت آنذاك الهيئات والجمعيات الخيرية فى ال بشقيها الرسمي والشعبي بما تضم في عضويتها من وزارة الأوقاف والأمانة العامة للأوقاف وبيت الزكاة لدراسة الأمر والتنسيق فيما بينها لمواجهة الخطب وتقديم العون اللازم للمنكوبين من خلال العمل الجماعي المنظم والمشترك، وانبثق عن هذه اللجنة فرق عمل ولجان متخصصة مثل اللجنة الإعلامية واللجنة الطبية ولجنة المهندسين المتخصصة في إقامة البيوت.
وقد أدت اللجنة دورًا فاعلا في المناطق المنكوبة مثل البوسنة والهرسك والصومال ولبنان وبنجلاديش والسودان، وتجسد اللجنة نموذجًا متميزًا للعمل الخيري الإسلامي؛ حيث لا تتوانى عن نداء الأخوة الإسلامية والواجب الإنساني، وقد بدا ذلك في المساعدات السخية التي قدمتها للشعب العراقي أثناء الحرب الأنجلو - أمريكية على العراق بالتنسيق مع مركز العمليات الإنسانية التي أنشأته ال، وما زالت قوافلها الإغاثية والطبية والحاملة للأدوات التعليمية والحقائب المدرسية تتوالى على العراق، كما شهدت حالة من الاستنفار للجانها حين وصلتها أنباء عن الفيضانات التي ضربت السودان مؤخرًا، فخصصت 100 ألف دولار دفعة مبدئية لإغاثة المنكوبين، وأوفدت مندوبًا عنها لتقدير حجم الأضرار والخسائر على أرض الواقع؛ لاستمرار دورها في تخفيف المعاناة التي لحقت بالسودانيين.
معًا لا يعود السائل إلى السؤال
ويؤكد يوسف الحجي لـ"إسلام أون لاين.نت" أن الهيئة لا تنفق من أموال الصدقات، بل من عوائد استثماراتها، وبهذا يبقى التبرع للهيئة صدقة جارية أصلها ثابت ويبقى عائده كل عام موردًا جديدًا يخدم المسلمين في كل أنحاء العالم، وإضافة إلى ذلك نجحت الهيئة في جعل نظام الوقفيات معلمًا بارزًا في أنشطة كل اللجان الخيرية، ومن الوقفيات التي تطرحها الهيئة: وقفية أعطه فأسًا ليحتطب، وقفية اليتيم، وقفية وفاء لوالديك، وقفية الألف ألف وغيرها، كما تنفذ مشروع إفطار الصائم في العديد من الأقطار الإسلامية.
وحول سياسة الهيئة في مجال جمع الزكوات قال: إنها تعتمد على رغبة المزكي في تحديد مكان إنفاق زكاته، سواء في داخل ال أو خارجها. وفي هذا الجانب تقدم الهيئة المساعدات للأسر المحتاجة للزكاة والحالات المرضية المستعصية وبعض الطلبة المحتاجين، وجميع الفئات التي يعوزها الدعم والغوث والإعانة، وبهذا تسعى الهيئة إلى تحقيق شعارها المتمثل في "معًا لا يعود السائل إلى السؤال"، وقد تحول هذا الشعار إلى مشاريع إنتاجية أطلقت الهيئة عليها مسمى التمكين، وهذه المشاريع في جلها ذات طابع تدريبي وتأهيلي، يعود بالفائدة على الفقير والمحتاج، ويحول السائل إلى عنصر منتج وفعّال في مجتمعه ووطنه من خلال تعليمه حرفة أو تدريبه على مهنة أو تمليكه مشروعًا إنتاجيًّا صغيرًا زراعيًّا أو حيوانيًّا أو مهنيًّا حتى يعول نفسه وأسرته دون الحاجة إلى ذل السؤال وما يتبعها من صد ونهر ورد، وبهذه المشاريع التمكينية الإنتاجية أسهمت الهيئة في حركة التنمية المجتمعية بالأقطار الإسلامية، وأعادت البسمة إلى وجوه آلاف اليتامى والأرامل والمعذبين، وساندت كثيرًا من الحكومات الإسلامية في إنشاء مثل هذه المشاريع الحرفية والتنموية..
وينفي أن تكون الهيئة قد تأثرت ماليًّا بفعل الحملة على المؤسسات الخيرية والإغاثية الإسلامية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مؤكدًا أن قناعات الناس بأهمية دعم العمل الخيري قد تنامت، وهذا مرده إلى أن المتبرع لم يلتفت إلى هذه الاتهامات، خاصة أننا نتواصل معه بتقارير دورية ومشاريع إعلامية تبين حجم المشاريع الخيرية التي تنتجها الهيئة في المجالات المختلفة، ولغة الأرقام التي نوافي بها المتبرعين تعطيه الدافعية والارتباط بالعمل الخيري وتعطينا الاستمرارية.
ويرى الحجي أن خدمة الفئات الضعيفة في المجتمع الإسلامي ليست عملا كريمًا وحسب، بل هي عبادة إسلامية تصل إلى حد الفريضة على الإنسان القادر عليها؛ حتى يتم إغلاق كل ثغرات الضعف في الجسد الإسلامي، والارتقاء بالضعفاء والمتضررين من أبناء المسلمين إلى مستوى إنساني لائق وكريم.
العم أبو يعقوب
لقد حفلت حياة الحجي بكل أشكال العمل الخيري؛ حتى أسماه البعض "إمام العمل الخيري بال وقدوة الخيرين"، ووسمه آخرون بأنه مجدد في مجال الدعوة في شقها الخيري، ويعرف بين موظفي الهيئة وأبناء المجتمع الي بالعم يوسف الحجي أو العم "أبو يعقوب" تقديرًا واحترامًا لمكانته والدور الذي يؤديه في الحقل الخيري، وذلك لقب أو كنية تنادى به الشخصيات المرموقة مجتمعيًّا جريًا على عادة أهل الخليج، وفي حياته ومسيرته الكثير من المواقف المشهودة.

عوده لرجال ال